القراءة طريقنا الى المستقبل

كم كانت سعادتي كبيرة غامرة حينما لمست مؤخراً مدى التغيير الواضح الذي طرأ بشكل إيجابي على أسلوب طباعة وإخراج صحيفتنا الغراء »الجماهير« ولاشك في أن قراءها يشاطرونني ما أشعر به متمنين لها المزيد من التقدم في الشكل والمضمون ولست أكتمكم فإن فرحتي بذلك التغيير لم تكن فقط لأن طباعتها غدت أكثر جمالاً وأشد وضوحاً , بل لأنني أدرك ما للشكل من تأثير في جذب القارئ وحفز رغبة القراءة لديه خاصة في مثل هذا العصر الذي بات يشهد عزوفاً خطيراً عن القراءة تحت تأثير ضغوط بات كثير منا مستسلماً لها غير قادر على عنادها فلو أننا سلطنا الضوء على روتين حياتنا اليومية المفروضة علينا لوجدناها مشحونة باللهاث والصخب فمعظمنا يخرج الى عمله الصباحي في السابعة ليعود الى منزله في الرابعة مساءً فيتناول طعام الغداء ويأخذ قسطاً قليلاً جداً من الراحة إن أمكنه ذلك ليغادر بعد ساعة أو ساعة ونصف الى عمل مسائي آخر يعينه في تأمين قوت عياله وسد حاجاتهم اليومية المتكاثرة , حتى إذا عاد بعد العاشرة ليلاً وجد نفسه المتهالكة في مواجهة جهاز التلفزيون ومايقذفه من صخب وهموم وأخبار تثير الاعصاب بالمزيد من الهموم والأحزان ...

إن هذا الواقع بات اليوم ينذر بشبح حالة مزمنة من العجز أمام التحديات العلمية التي باتت تكبر يوماً بعد يوم مع الاتساع المتزايد للهوة الفاصلة بين الانفجار المعرفي وبين اجيالنا التي تحولت القراءة لدى معظمهم الى مجرد وسيلة للحصول على »الشهادة« التي تفتح لهم ابواب العمل والوظائف والمراتب العامة أو تحقق لهم الدخل الذي يحلمون به ولهذا فإن مطالعاتهم في معظمها بقيت قاصرة على الكتاب التدريسي الذي لاتستمر صحبته سوى لفترة وجيزة تنتهي مع تقديم الامتحان والحصول على الدرجة المؤهلة للنجاح , وهكذا نجد أن هذا التصاعد الذي كان متنامياً للمنحنى البياني المعرفي لدى الفرد مايلبث أن يتعرض بعد تخرجه الى نقطة انعطاف ترتد وتتقهقر به نحو الجهة السالبة لتبدأ فترة من القطيعة بينه وبين الكتاب مع أن المتغيرات المتسارعة في هذا العصر كانت تفترض أن يتمسك كل منا بمنهج التعليم المستمر الذي وجدناه هو السبيل الذي ينقل الآخرين الى عالم المستقبل الواعد وما يحمل من اكتشافات متوالدة ...‏

وربما زاد من حدة هذه الازمة مابتنا نلمسه من قصور في فهمنا لمصطلح الثقافة حيث بات يعني لدى كثير منا قدرة المرء على الجدل والحوار مسلحاً بما تختزنه ذاكرته من مصطلحات نظرية مستوردة التقطها من هنا وهناك وربما بعيداً عن أي منهج عملي تطبيقي مع أن الثقافة في حقيقتها المعاصرة هي القدرة المستمرة على ممارسة النشاط الفكري والفني الإنساني بمهارة متقنة ومتطورة تجيد فهم لغة العصر واستخدام وسائله الفردية منها والجماعية , ومع أن أوعية المعرفة باتت اليوم عديدة يتزعمها سلطان وسائل البث المباشر كالتلفزيون والإذاعة والإنترنت , إلا أن موثوقية الكتاب الورقي تبقى هي الاعلى ولهذا فإن القراءة تبقى هي المورد الاساسي للمعرفة ومن هذا المنطلق فإن الواقع الذي تعيشه القراءة اليوم لابد أن يثير فينا الكثير من القلق‏

وكم زاد استغرابي حينما قرأت في أحد التقارير الاحصائية أن عدد الكتب التي يترجمها العرب مجتمعين سنوياً لايتجاوز »330« كتاباً وهذا الرقم بحسب ذات التقرير يشكل ما تترجمه دولة أجنبية واحدة هي اليونان ...‏

على أنني لست متشائماً في هذا الأمر فمازالت الفرص أمامنا واسعة للعودة الى القراءة وصحبة الكتاب لكن نقطة البداية لابد أن تكون واضحة المعالم أمام أبنائنا أطفال اليوم ورجال المستقبل فهل ستلتفت الجهات المعنية ذات الصلة بالتربية والثقافة والاعلام الى هذا الامر ...? بل هل ستتمكن أسرنا من إعادة النظر في مخططها اليومي لتعطي القراءة فسحة من الوقت وتربي أبناءها على حب القراءة ...? لاشك أن ذلك أمر قابل للتحقيق فيما لو أردنا ذلك ...!‏

الكاتب: 
محمد حسام الدين دويدري