حضارة الاسلام

العدد: 
12308
سبت, 2006/03/25
إن تاريخ الحضارة الاسلامية حافل بالصفحات المشرقة التي تؤكد أن هذه الحضارة المشعة على الكون قد نورت الفكر الانساني مايسمو به ويرقى في كل جانب من جوانب نشاطه في الحياة .

والاسلام فيما أوصى به من تعاليم وآداب قد استهدف إنسانية الانسان وتنمية جانب الحياة الانسانية فيه من الإدراك والوجدان والإدارة في العلم حيث انه التفاعل مع النفس والإنسان في المجتمع ومجال الحياة كلها , إنه في الحقيقة إدراك الجمال والتعاطف وجمال السلوك في القول والعمل وجمال الصنع في الإنتاج وجمال الانسانية في العلاقات الاجتماعية وجمال الطبيعة في الكون لأن حضارة الاسلام تعتبر الإنسان حجر الزاوية ولهذا وردت تأكيدات متداولة في القرآن الكريم على كرامة الانسان حيث يقول الله تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر)‏

وقال أيضاً : ( ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )‏

ولكن اعتماد حضارة الاسلام على الانسان ليس كاعتماد الحضارات الأخرى عليه والفرق يكمن في أن الاسلام يؤمن بأن هدف الحضارة الاسلامية هدف سام لابد أن يتحقق بوسيلة ربانية تتناسب مع سمو هذا الهدف ولهذا فإن الانسان الذي هو باني الحضارة وصانعها من الطبيعي أن تنعكس عليه إشعاعات واشراقات في الفكر الانساني وتأخذ في الاسلام إطاراً أوسع وأبعاداً أعمق والمؤمن بربه والمتمسك بدينه هو الذي يشعر بإنسانيته , باحترامه لجميع مخلوقات الله في الارض ويدرك مستواه الحقيقي في الاحسان والوجدان والفكر والعاطفة .‏

فالاسلام يطلب من معتنقيه أن يكونوا مفاتيح للخير مغاليق للشر وهذا شأن الانسان في أصل تكوينه رأفة ورقة ورحمة ورفقاً حتى بالحيوان فإذا كانت الحضارة الحديثة أنشأت بما يسمى جمعيات الرفق بالحيوان فإن الاسلام سبق الحضارة الحديثة بأربعة عشر قرناً ونيف يقول الكاتب عبد الرحمن عزام في أبرز صفات النبي صلى الله عليه وسلم : لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة على أمته بني البشر بل هو الرحمة لكل مخلوقات الله سبحانه وتعالى وهو الرحمة المهداة للعالمين .‏

كما قا ل تعالى »وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين « فإن هذه الرحمة ملكت مشاعره وأحاسيسه كان لينا عظيم الرفق رقيق القلب حتى أنه استجاب لحنين جمل حين رآه مبدياً له عاطفته ورحم دموعه التي سالت حين رآه ماسحاً على رقبته وظهره كأنه يواسيه فقال صلى الله عليه وسلم من صاحب هذا الجمل ? فقال فتى من الانصار هو لي يارسول الله , فقال له صلى الله عليه وسلم أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا لي انك تجيعه وتضربه .‏

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما رجل يمشي فاشتد به العطش فنزل بئراً فشرب ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال :‏

لقد بلغ هذا الذي بلغ بي فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له وغفر له فقالوا »يارسول الله وإن لنا في البهائم أجراً ? قال : في كل كبد رطبة أجر « .‏

وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر : دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض‏

وامرأة أخرى دخلت النار كانت تؤذي جيرانها بلسانها .‏

لقد طبق المسلمون الأوائل كل كلمة سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي كانت توجهات الرسول صلى الله عليه وسلم الرائد للأفهام والعقول فأبو بكرالصديق رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى أمير الجيوش الاسلامية أن لا تقتلوا شيخاً كبيراً ولا أمرأة ولا طفلاً ولاتعقروا شاة ولا بعيرا ولا تحرقوا نخلاً ولا تخربوا معبداً‏

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم يرى في الطريق جملاً يحمل عليه فوق طاقته فضرب عمر الجمّال بدرته وقال له حملت جملك مالايطيق‏

هذا هو المنطق الانساني والمنطق الاسلامي فالرحمة والرأفة والدقة واللطافة والاخلاق الحسنة جميعاً قيم عليا تدل على صدق الاخلاص وسلامة الضمير ورقة الوجدان والاحساس بالجمال الانساني‏

والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏

الكاتب: 
الشيخ عبد اللطيف الشامي