" وفيات" الحاج عماد

العدد: 
12309
اثنين, 2007/03/26
كلما شرعت في قراءة صحفنا المحلية صباحاً , يداهمني الحاج عماد ليقرأ زاوية (الوفيات) في جريدتنا المحلية الوحيدة "الجماهير" ويا ليته يقرؤها ويمشي أو يصمت .

الحاج عماد تجاوز الثمانين عاماً, وما زال يعمل في إحدى المؤسسات الخاصة, وزنه دون الستين كيلو غراماً, يحمل في حزامه رزمة ضخمة من المفاتيح المنوعة وفي جيب بنطاله كمية كبيرة من النقود المعدنية مما جعله يميل بكتفه الأيمن .‏

أسميه آذناً لكن سمّه ما شئت فهو بائع طوابع ومراسل وحارس ومرشد وحامل أختام المؤسسة ... سمّه ما يحلو لك, فهو لا يزال يمتطي دراجته الهوائية القديمة المزودة بسلة معدنية يستعملها للمراسلات صباحاً ولتحميلها بالخضار والخبز إلى بيته بعد انصرافه .‏

فاجأني صباح اليوم وراح يقرأ بصوت مسموع أسماء المتوفين وكنيتهم وأعمارهم ومناطق سكنهم, ثم أمطرني بأسئلته التي ينسى أنه يسألني إياها كل صباح , يسألني عن عمري وعدد أولادي وأعمارهم وأسمائهم, والفارق بين عمري وعمر زوجتي وماذا طبخت بالأمس وما ستطبخ غداً? وعن فوائد السبانخ والثوم والجرجير والعسل ثم يسألني إذا ما كنت أزور جيراني في البناية ويزورونني ?‏

فأجيبه بملل واقتضاب وأنا أتصفح عناوين الصحف والمجلات, وغالباً ما يكون جوابي بعيداً كل العبد عن أجوبة أسئلته لأنني أشعر بدوخة وصداع من قراءة العناوين عن الفساد وغلاء الأسعار وجنون العقارات وبيانات المرشحين للانتخابات , وصرف الموظفين الصغار جداً من الخدمة لأسباب تمسّ النزاهة لكنه لم يكتف بذلك اليوم بل استهل حديثاً مملاً كنشرة أخبار موقوتة بدأها بموجز وفاة ابن عمته , وتابع تفاصيلها قائلا: قمنا البارحة بدفن ابن عمتي يا أستاذ في المقبرة الحديثة ... مات بالسكتة القلبية, وهو يصغرني بعشرين عاماً علماً أنه لا يدخن ولا يشرب, يملك ثلاث نساء رزق منهن تسعة أولاد وخمس بنات .‏

القبر الذي واريناه التراب فيه اشتراه منذ عشر سنوات, وحصل عليه باستثناء من الدور .‏

تابع حاج عماد نشرة أخباره وهو يخلع جواربه متهيئاً للوضوء عندما سمع أذان الظهر: هل تعرف بأن القبر يصل سعره اليوم إلى خمسة عشر ألف ليرة سورية? والأسعار تتفاوت حسب موقع القبر, ونوع كسوته وجواره من الصالحين .‏

وهل تعرف بأن هناك عائلات تملك في المقبرة مساحات واسعة مسيّجة بالحديد المزخرف لدفن أمواتها بشكل يليق بحسبها ونسبها وملاءة أموالها ?‏

وهل تعرف بأن عمي توفي - رحمه الله- في المدينة المنورة أثناء تأديته فريضة الحج فحسده الجميع لأنه دفن هناك ?‏

وهل تعرف بأنه قد حصل (زعل شديد) بين أولاده وأصهرته لأنهم لم يذكروا في النعوة أسماءهم وأسماء أولاد خالته وعمته ?‏

خبطت على الطاولة بنزق واستياء وقلت له :‏

لا أعرف شيئاً ... لا أعرف شيئاً إطلاقاًَ .... ألا يوجد لديك في هذا الصباح سوى الحديث عن الموت والمقابر والتكاثر , واستغلال الأموات, واستثمار النعوات التي تحتل مساحات فسيحة في الصحف والمجلات ?‏

ارحم الناس من أحاديثك وأسئلتك يا حاج عماد كي يرحمك الله في الأرض , ويمنحك الصحة وحسن الختام .‏

الكاتب: 
عبد العزيز الشهابي