كالوتا، كفر نابو، براد : حيث عاش القديس مارون وحيث دفن

العدد: 
13021
ثلاثاء, 2010/02/09
يصف لنا تيودوريطس اسقف قورش في كتابه " أصفياء الله" حياة 37 راهبا وراهبة عاصرهم او رآهم بام عينيه او سمع عنهم من معاصريهم الذين شاهدوا أعمالهم في فترة امتدت بين مطلع القرن الرابع ومنتصف القرن الخامس ، وكان ما ذكره في كتابه حقائق ثابتة وصحيحة .

ولد تيودوريطس سنة 393 م. في أنطاكية ونشأ برعاية أمه الفاضلة على حب العبادة والتقوى ومعاشرة النساك القريبين من أنطاكية ، ودرس اللاهوت وسيم كاهنا ثم اسقفا ( من 423الى449م)على أبرشية قورش(النبي هوري) وكان يقوم فيها برعاية 800 كنيسة. خلّف لنا الاسقف تيودوريطس كتاب "التاريخ الديني " ذكر فيه النساك السوريين ، وقد كتبه حوالي عام 444م وعني بنشره وتحقيقه الأب بيير كانيفيه وقام الأرشمندريت أدريانوس شكور بترجمته عن اليونانية باسم "تاريخ أصفياء الله " ويتألف من 31 فصلا .وقد توفي الاسقف تيودوريطس قبل عام 457م. يذكر الاسقف تيودوريطس مارون الناسك في الفصل السادس عشر من كتابه المذكور سابقا، ومن وصفه نستدل على المنطقة التي عاش فيها القديس مارون . يقول الاسقف تيودوريطس :كان مارون محبا بالحياة تحت قبة السماء .. امّا عن موت القديس مارون ومكان دفنه فيفيدنا تيودوريطس: بعد أن تعاطى مارون الفلاحة الالهية بشفائه النفوس والاجساد معا انتابه مرض بسيط أودى بحياته. وقام نزاع شديد بين القرى المجاورة رغبة من كل منها في الاستيلاء على جثمانه. وكان على الحدود بلدة كثيرة الرجال أقبلت بأسرها وبدّدت الآخرين وانتزعت منهم ذلك الكنز المرغوب فيه جدّا فشيّدوا له عندهم مقاما فخما. وهم من ذلك الوقت حتى يومنا هذا ينعمون بمنافعه فيكرمون هذا المظفّر العظيم بمهرجان شعبي . ولكننا نحن أيضا وعلى الرغم من ابتعاده عنّا لا نزال ننال بركته لأننا نحن نحتفظ بذكراه عوضا عن قبره وهذا يكفي. ويتفق رأي الأب لامنس والأب بطرس ضو في ان قبر القديس مارون وهيكله الأولين كانا في شمال سورية جنوبي قورش في نحو نصف المسافة بينها وبين حلب قلعة كالوتا وكفر نابو وبراد: من تدقيق الوصف الذي ذكره تيودوريطس اسقف قورش مع واقع القرى المحيطة والمجاورة لمنطقة القورشية (1) نجد أن قلعة كالوتا ، وكانت معبدا وثنيا بدلالة تيجان الاعمدة الكورنثية (1) القورشية : كانت تؤلف ابرشية واحدة تولاها الأسقف تيودوريطس من سنة 423 م الى 449 م وكانت عاصمتها قورش ( سيروس ) وتمتد 80 كم من الشرق الى الغرب و 50 كم من الشمال الى الجنوب وتضم 800 كنيسة وتجاورها ابرشية أنطاكية في الجنوب وحدودها الشرقية عند جبرين واسفل جبل سمعان جنوبي اعزاز . ذات اوراق الخرشوف المنتصبة شاقوليا وغير المائلة مما هو معروف من بناء القرن الاول او الثاني للميلاد، قد حوّل الى كنيسة بفضل القديس مارون والى قلعة دفاعية في القرن العاشر خلال حروب البيزنطيين والحمدانيين بدلالة اضافة الجدار الفاصل بين الهيكل ومكان المؤمنين . هذه الكنيسة تنطبق بأوصاف موقعها مع الوصف الذي ذكره تيودوريطس عن المكان الذي عاش فيه القديس مارون، وكذلك تنطبق على قرية كفر نابو القريبة والتي فيها معبد حوّل الى كنيسة، الا ان في كفر نابو كنيستين وهي قرية مسكونة،بينما مار مارون باعتباره ناسكا عاش في مكان منعزل. واذا افترضنا انه قد عاش في كفر نابو فان أهلها أحق من سواهم أن يدفن لديهم ولن يمكّنوا أهل براد من أخذ رفاته لدفنه في بلدتهم براد. وهذا يؤكد عيش مار مارون في قلعة كالوتا المكان المنعزل بدون سكان، لذلك عند وفاته في مكانه المنعزل (قلعة كالوتا) تسارع الناس في القرى المجاورة للحصول على جثمانه المقدس، وكانت الغلبة لأهل بلدة كثيرة الرجال فحصلوا على جثمانه ليدفن لديهم. امّا عن مكان دفن القديس مارون فان أكبر قرى المنطقة أثريا هي بلدة براد التي تضم بين آثارها كنيسة عظيمة ربما كانت سابقا، حسب رأي تشالنكو، معبدا وثنيا حوّل الى كنيسة عام 399 - 402 م. وهي كنيسة جوليانوس على اسم المعمار الذي بناها، وقد أضيف اليها جناح خاص ليضمّ رفات رجل عظيم هو القديس مارون. ويظهر الجناح المضاف واضحا على مسطح الكنيسة المذكورة. لقد بدأ القديس مارون او كان من أوائل من افتتحوا او مارسوا الحياة النسكية بالعراء كاملا صيفا شتاء ليلا نهارا في رؤوس الجبال وعلى الأرض وذلك بدافع صوفي روحاني يعتمد على فكرة الانقطاع الكلي عن العالم . ان التوق الى السماء يحمل على الابتعاد أكثر فأكثر عن الأرض، وربما كان هذا تمهيدا لفكرة العموديين اللاحقة . كان مارون كاهنا محبا للقريب منحه الله موهبة شفاء الامراض فانتشر صيته في كل مكان وكانت بركته كافية وحدها لايقاف الحمى وطرد الشياطين وشفاء أنواع الامراض. واقام في كفر نابو وما حولها لهداية الوثنيين الى دين المسيح والمعلوم ان نابو هو اله وثني لدى الآشوريين القدماء . ويذكر كتاب أصفياء الله إحدى الرسائل المتبادلة بين القديس يوحنا فم الذهب من منفاه والقديس مارون الكاهن والناسك وتعود الى العام 401 او 407 م. مما يدل على معاصرة القديسين لذلك يعتقد ان وفاة القديس مارون كانت حوالي العام 410 م . كما يعلمنا ابو الفداء ان الملك مرقيانوس ( 450 - 457 م ) بنى ديرا باسم مار مارون في منطقة افاميا، وعقد في ايامه المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونية عام 451 م وعمّ السلام القسم الشرقي من الامبراطورية. موقع وآثار بلدة براد : تقع براد، وهي من اكبر القرى الاثرية في شمال سورية بعد البارة ، على بعد 4 كم جنوبي كيمـار و6 كم غربي بلدة نبل و 9 كم جنوب شرقي باسوطة ، ويتم الوصول اليها من باسوطة بطريق ملتوية عند تسلق الجبل تمّ تزفيتها. كما يتم الوصول اليها عن طريق حلب - اعزاز بالانحراف غربا عند مفرق العقيبة - الزيارة - صوغانة - كيمار، وقد تمّ تزفيت هذه الطريق بالكامل بطول 17 كم وأصبحت قرى صوغانة وكيمار وبراد قابلة للزيارة من قبل السياح والمهتمين، وأصبحت المسافة بين حلب وبراد 45 كم فقط. تضم براد العديد من المباني والمعالم التي تعود الى الفترة الواقعة بين القرنين الثاني والسابع للميلاد، ومن اهم معالمها الحمام والمدفن الرومانيان والعديد من بقايا الفيلات السكنية ومداخلها الجميلة المزخرفة. كما تضم بقايا كنيسة على طراز البازليك مؤرخة من عام 561 م تفصل الركائز بين ابهائها الثلاثة. كما هناك كنيسة جنوب غربي البلدة بابعاد 14.80 - 7.80 م لا زالت واجهتاها الجنوبية والغربية قائمتين ومكان الهيكل على شكل مربع بدل الحنية جهة الشرق، وكان يقوم رواق امام واجهتها الجنوبية التي تضم مدخلين كالعادة أحدهما للرجال والآخر للنساء ويحيط باحدى نوافذها حزام ذو عقد حلزونية، وتعود الى نهاية القرن السادس او بداية القرن السابع للميلاد . كنيسة جوليانوس : اما الكنيسة الثالثة وتعتبر اكبر كنيسة في شمال سورية بعد كنيسة القديس سمعان العمودي وكنيسة كراتين الواقعة شرقي معرة النعمان فهي كنيسة جوليانوس وابعادها حوالي 42 - 23 م مؤلفة من ثلاثة ابهاء يعود بناؤها الى نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس وكانت سابقا معبدا وثنيا لا زال قسم كبير من واجهتها الغربية قائما. وقد اضيف الى شمال غرفة الخدمة الشمالية جناح في بداية القرن الخامس ليضم رفاة قديس عظيم يعتقد انه القديس مارون ابو الطائفة المارونية المتوفى حوالي 410 م . ولا زالت تيجان الاعمدة والاقواس التي كانت تفصل بين البهو الاوسط والبهوين الجانبيين متناثرة على ارض الكنيسة . دير براد : وهناك على مسيرة ربع ساعة الى الجنوب الغربي من براد يقع دير براد وكان يضم ناسكا في برج وناسكا آخر عموديا انتثرت اجزاء عموده قرب قاعدته ، وكان هناك كنيسة قريبة ومضافة لاقامة الحجاج قاصدي الناسكين بالاضافة الى مقبرة صغيرة . وقد سبق ان لمّح الاب جوليان اليسوعي في كتابه " سورية وسيناء " الى امكانية وجود ناسك عمودي في دير براد وقد تأكد ما ذكره عن العمودي بالدراسة المتمعنة للآباء الفرنسيسكان كستيلانا وبنيا وفرناندز الذين درسوا حياة النساك في الابراج والنساك العموديين ونساك الاديرة فيما سمي " المدن الميتة " كما قاموا باحصاء المواقع الاثرية القائمة في جبال باريشا والاعلى والدويلي والوسطاني من جبال الكتلة الكلسية في شمالي سورية . المصادر‏

- أصفياء الله ترجمة الارشمندريت ادريانوس شكور - تاريخ الموارنة الأب بطرس ضو ( الجزء 1 ) - كنيسة القديس سمعان العمودي وآثار جبلي سمعان وحلقة، المهندس عبد الله حجار‏

الفئة: 
الكاتب: 
عبد الله حجار المكان:حلب