الليبرالية الجديدة وحقوق الإنسان في الألفية الثالثة

العدد: 
13112
اثنين, 2010/06/21
مرت الذكرى الواحدة والستون للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صادقت عليه الأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول عام 1948 دون اهتمام كبير أو احتفالات ضخمة كما كان يجري في أعوام سابقة

فما الذي أبقته الليبرالية الجديدة من حقوق الإنسان وهي التي ظلت طويلاً تعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واحداً من أهم انجازاتها في الالتزام بتطبيق مواده الاثنتين والثلاثين. وما الذي تغير حتى تعلن حالة طوارئ عالمية تحمل الكوكب كله إلى قلعة محاصرة بالأسلحة الفتاكة والمنظومات الصاروخية المتطورة والأقمار الصناعية التجسسية أو تجعله أشبه بجزيرة كبيرة محاطة بحاملات الطائرات. كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ثمرة نضال طويلة خاضته البشرية وقواها الخيرة من أجل الحقوق الطبيعية للبشر في الحياة والعمل والتعليم والتعبير والمشاركة في الحياة العامة والعيش بكرامة دون قهر أو استلاب ورغم أن البرجوازية الصاعدة قد خاضت معركتها ضد الإقطاع في أوروبا تحت شعارات العدالة والأخوة والمساواة التي تلتقي مع بعض الحقوق المثبتة في الإعلان إلا أن انتصارها لم يمنعها من طي هذه الشعارات في بلدانها أو نسيانها كلياً في حروب الاستعمار والإبادة والنهب التي شنتها ضد الشعوب الضعيفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ولم يتحول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى صيغة قابلة للتطبيق على المستوى الدولي إلا بعد اندحار الفاشية وحصول نوع من التوازن بين الرأسمالية من جهة والاشتراكية المتحالفة مع حركات التحرر الوطني الناهضة من جهة ثانية توجت بإنشاء الأمم المتحدة عام 1945 وبإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. وقد صمد التوازن بضعة عقود بفضل حزمة من العهود الدولية والمعاهدات التي أتاحت للأفراد والشعوب فرصاً ثمينة لعرض مظالمها على المجمع الدولي وتجنب البشرية كوارث شبيهة بتلك التي وقعت في النصف الأول من القرن العشرين. لكن طغيان المصالح وهيمنة نزعة التفوق وآثار العنف دفعت الليبرالية الجديدة المتوحشة على حد تعبير الاقتصادي المصري الدكتور رمزي زكي إلى تحطيم التوازن القائم وفرض إرادتها وأنماط سلوكها بالقوة والقهر والحصارات والإفقار والعنف المتعدد الأشكال والنهب المنظم واستبدلت التعاون الدولي بالرؤية النخبوية والأحادية الضيقة الأفق فقد شنت حروباً لا مبرر لها ومولت حروب إبادة قذرة في أفريقيا وآسيا ولوثت بيئة الكوكب بصورة غير مسبوقة وخرقت عدداً من المعاهدات الدولية المتعلقة بالأسلحة النووية والجرثومية وهددت استقرار العالم بإعلانها حرباً مستمرة ضد إرهاب لم يجر تعريفه بوضوح أو إقرار لسبل مواجهته من قبل المجتمع الدولي وهيئة الأمم المتحدة المعنية. وقد حذر عدد من الحاصلين على جائزة نوبل في الفيزياء والكيمياء والآداب والطب من استمرار التدهور البيئي ودعوا إلى احترام المعاهدات الدولية المتعلقة بوقف سباق التسلح كما اجتمع ثلاثون من الحاصلين على جائزة نوبل للسلام في مدينة أوسلو قبل مدة وانتقدوا في بيان أصدروه العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق. كما حذر المجتمعون من أن الفقر سيشكل الخطر الأكبر المحدق بالسلام العالمي في الأعوام المقبلة وروى (غونار بورج) رئيس اللجنة التي تمنح جائزة نوبل للسلام أن توسيع نطاق الحرب في أفغانستان ليشمل دولاً أخرى كالعراق والصومال والسودان يشير إلى أننا لم نشهد سوى بداية الكارثة ويبدو أن الليبرالية المنتصرة ندمت على استعجالها إلغاء الاستعمار ونسيت ما صادقت عليه من مواثيق وهي تسعى الآن لتدشين المستقبل باستعراض كبير للقوة وبمآس كبيرة تنسي الناس ما سببته من مآس في القرن المنصرم وقد قالت الأديبة السمراء الأمريكية الحاصلة على جائزة نوبل (توني موريسون) في روايتها (جنة) (ليس لدينا ذاكرة في أمريكا ونحن مهووسون بالمستقبل وبضربة واحدة نشوه الماضي من دون أن نفهمه). إن استقرار العالم وأمنه معرضان للتهديد أكثر من أي وقت مضى وحريات الأفراد والشعوب عرضة للخطر, إذ ترتكب عمليات إبادة في الأراضي الفلسطينية المحتلة أمام بصر العالم وسمعه. لقد ناضلت البشرية طويلاً من أجل أن يتوقف العنف وتسترد الحقوق من أجل أن تغدو إنجازات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أشجاراً باسقة في غابة الحضارة الإنسانية الجميلة بغناها وتنوعها لا أن تحول إلى مستنبتات زجاجية تزيينية لا يرتجى منها أي نفع كما قدم البشر تضحيات كثيرة من أجل تعرية الأضاليل وكشف المجازر قديمها وحديثها.‏

الكاتب: 
المحامي غياث أبوردن