حوار حول التراث الموسيقي في حلب

العدد: 
13360
اثنين, 2011/06/20
1- هل يمتد التراث الموسيقي عميقا في تاريخ حلب ؟

درجت الموسيقا مع عمر الإنسان منذ فجر التاريخ فهي إيقاع الحياة النفسية بأفراحها وأحزانها وآمالها وآلامها.‏

ولا يمكن أن نتصور الحياة البشرية بلا موسيقا .‏

والحديث عن تاريخ التراث الموسيقي في حلب يقودنا إلى عصور غابرة تمتد إلى أزمان الحضارات القديمة من سومرية وآكادية وكنعانية وحثية وبابلية وعمورية وآشورية وآرامية وصولا إلى المراحل الهلنستية والرومانية والبيزنطية . ثم المرحلة التي أعطت البلاد وجهها الحضاري النهائي وهي الحضارة العربية .‏

وليس مجالنا الآن الحديث عن تلك العصور المتلاحقة بحضاراتها وألوانها . بل نقف بحديثنا عند حلب في ثوبها العربي المبين .‏

كان بلاط سيف الدولة في النصف الأول من القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادي, قد شهد تجمع أعلام الفكر والأدب والعلم والفن . وفي حلب, كتب الفارابي " كتاب الموسيقا الكبير " وأهداه لسيف الدولة, وفي حلب طور الفارابي آلة القانون وكان من أبرع عازفيها في عصره .‏

وإلى بلاط سيف الدولة أهدى أبو الفرج الأصفهاني كتابه العظيم " الأغاني" في أواخر أيام سيف الدولة, وكافأه سيف الدولة عليه بألف دينار معتذرا بضيق ذات اليد . و الأغاني هو أعظم كتاب في التاريخ الاجتماعي والأدبي والفني وتراجم الشخصيات في مراحل التاريخ العربي كله .‏

2- هذا حديث عام .... فهل من خصوصية تراثية لمدينة حلب في هذا الميدان؟‏

شهدت العهود الزنكية والأوروبية والمملوكية تدفق موجات المهاجرين من الأندلس, حينما بدأت المدن الأندلسية تتساقط ويخرج منها العرب أمام هجمات قشتالة مدعومة من أوروبا الغربية. وكانت موجات المهاجرين تقصد المشرق, وكثير منها أستقر في حلب نظرا لموقعها الاستراتيجي والاقتصادي, و كونها مركزا هاما على الطريق العالمي لتجارة الحرير والتوابل والأقمشة, ووجود فرص عمل كبرى فيها لمن يبحث عن عمل.. ووجود الأسواق والخانات و القيساريات .‏

جاء المهاجرون الأندلسيون... وعرفت حلب منهم جمهرة من الشعراء الكبار مثل : ابن خروف وابن جابر وابن سعيد المغربي. وامتزج فنهم الأدبي الأندلسي بالطابع الحلبي المحلي. وامتد أثر الشعر إلى الغناء ... فعرف شعراء حلب " الدوبيت " والموال منذ العصر الأيوبي, وكان ابن الوردي شاعر حلب الكبير في القرن الرابع عشر الميلادي واحدا من رموز الشعر المغنّى والملّحن .‏

ويجمع النقاد الموسيقيون على أن مدينة حلب هي سيدة الموشحات العربية على الإطلاق بعد سقوط غرناطة عام 1492 .‏

وخلال القرون الخمسة الماضية كان هذا الفن يتطور في حلب ويتفاعل مع عناصر البيئة المحلية . وأصبح للموشح الحلبي صورته الفنية المستقلة بالإيقاع والضرب والأداء والكلمة .... وتجاوزت ضروب الموشح الحلبي بفروعها وتفاصيلها المائة. وأصبحت لها قواعدها وأسسها وتقاليدها وبلغ هذا التطور ذروته في القرن الماضي نصا ولحنا وغناء .‏

3- هل نستطيع القول أن مدينة حلب في تطويرها للموشح الأندلسي أغفلت الأنواع الأخرى من الفنون الغنائية والموسيقية ؟‏

- لا يمكن الفصل بين الموشح والألوان الغنائية الأخرى, فكلّها قد نضجت وتطورت في مدينة حلب :‏

القصيدة ـ الموّال ـ الأناشيد الدينية ـ الأغنية الشعبية ـ النوبة الأندلسية ... الخ . وكل واحدة من هذه المحطات تحتاج وقفة طويلة وخاصة. وفي الواقع فإن الزوايا والتكايا الصوفية التي عرفت حلقات الذكر والأناشيد الدينية كان لها دور كبير في تطوير فن الغناء في مدينة حلب .‏

ولا تزال " الزاوية الهلالية " التي يرأسها اليوم الشيخ جمال الدين الهلالي مستمرة في عطائها الصوفي والفني منذ أربعة قرون . وقد تخرج منها عدد كبير من أعلام الإنشاد والموسيقا من أمثال :‏

- الشيخ مصطفى البشنك في القرن الثامن عشر ( ت 1765 ) . وقد تتلمذ على يديه عدد من أئمة الفن الموسيقي .‏

- الشيخ محمد الوراق : الشاعر و الملحن و المطرب . وصاحب الموشحات والقدود والقصائد ( ت 1900 ). وهو الذي أعطى الشكل النهائي لفصل " أسق العطاش " المشهور. ومن موشحاته المعروفة :‏

زارني المحبوب في رياض الآس‏

روق المشروب و ملا لي الكاس ‏

- الشيخ أبو الوفا الرفاعي الشاعر والوشاح والزجال – ومن أجمل موشحاته :‏

يا مجيبا دعاء ذي النون في قرار البحار‏

استجب دعوة المحزون قد دعا باضطرار‏

الشيخ أحمد عقيل, الشيخ صبحي الحريري, عبد اللطيف تنكجي, فؤاد خانطوماني وصولاً إلى المرحلة المعاصرة مع كبير المنشدين مسعود خياطة .‏

وعلى مستوى آخر كانت هناك مدرسة الفن الموسيقي القائمة على أسس علمية منهجية يمثلها الشيخ علي الدرويش الذي يعتبر أستاذ عدة أجيال في سورية ومصر والعراق وتونس في مجال التأليف والتلحين الموسيقي . وفي مجال إحياء التراث الأندلسي والمشرقي والربط بينهما .‏

وعلى هامش هذه المدرسة كانت إعداد من أعلام الفن الموسيقي تعمل بدأب وصمت و جهد كبير :‏

عمر البطش ـ إبراهيم الدرويش ـ بكري الكردي ـ نديم الدرويش ـ أحمد الفقش ـ ماري جبران ـ كميل شمبير ـ سامي الشوا ـ توفيق الصباغ ـ مها الجابري ـ جميل عويس‏

4 – يرتبط اسم " القدود الحلبية " بالمطرب صباح فخري, فهل يمثل صباح فخري مدرسة مستقلة في ميدانه أم هو استمرار لمدرسة حلب الفنية العريقة ؟‏

القدود الحلبية مصطلح جاء من كلمة " قدّ " أي مقياس أو مثال, والأصل في المصطلح أن يؤخذ لحن شائع ديني مثلا وتبنى على إيقاعه كلمات جديدة أو بالعكس .‏

وخلال فترة حكم إبراهيم باشا لبلاد الشام وإقامته في حلب 1831 – 1840 كان أحد مستشاريه الشيخ أمين الجندي الحمصي الذي تعرف إلى شيوخ الزاوية الهلالية وأخذ منهم , وأبدع في كتابة كثير من النصوص في مجال القدود سار بعضها على كل الألسن . وفي واقع الأمر فإن إقامة الشيخ أمين في حلب وتفاعله مع الطرب الحلبي خلق تلك النصوص الجميلة التي أصبحت جزءا من تراث القدود الحلبية .‏

أما دور الأستاذ صباح فخري في العصر الحاضر فهو يكمّل دور أعلام آخرين مثل محمد خيري وبهجة حسان وصبري مدلّل. إنه دور وضع التراث الموسيقي الحلبي على مستوى عربي وعالمي, فهو يمثل خلاصة تجارب القرون الماضية التي أنتجت هذا الكمّ الهائل من النصوص الفنية .‏

5- أين يقف " الموّال " من عناصر الطرب الأخرى في حلب ... وهل هناك تمييز واضح يمكن أن نطلق عليه الموال الحلبي ... وما أصل كلمة " الموّال " ؟‏

يمكن أن نبدأ الحديث من آخره, أي ما أصل " الموّال " . لقد تحدث كثيرون من الباحثين والمؤرخين واللغويين عن هذه الكلمة, ونجد هذا الحديث عند ابن خلدون والأبشيهي والبستاني و شوقي ضيف وعدد من المستشرقين. وتكاد تنحصر الآراء في أن أصل الكلمة يعود إلى " مواليا " وأن نشأة الموال تعود أواسط العراق منذ القرن الثالث الهجري, وتعيد بعض الدراسات هذه النشأة إلى ما قبل الميلاد حينما كان الأسرى العرب لدى الآشوريين ينادون‏

" اليلي " ومنها صارت يا ليلي ....‏

لقد استقر الموال إيقاعياً على وزن البحر البسيط, وهو في جميع اللهجات العربية على هذا الوزن سواء أكان حلبيا أم بغداديا أم مصريا أم فلسطينيا ... الخ .‏

والشكل الذي أخذه في حلب ـ على الأغلب ـ هو السبعاوي الذي يسمى أيضا‏

" الشرقاوي " وتأتي أشطره الثلاثة الأولى على قافية ثم الثلاثة الأخرى على قافية, ثم تعود القافية الأولى في الشطر الأخير . ومن أمثلته :‏

عينك تنام و عيني ساهرة ليلى‏

و من يوم فقد الولف ما دقت الهنا ليلى‏

أنا كسيح درويش و الحق ظعنهم ليلى‏

لا تفتكر يا وليفي بيناتنا ماضي‏

و سيوف لحظك لجوات الحشا ماضي‏

و أن كان أصلك ذكي اتفكّر الماضي‏

يا جامع الشمل تجمعني بهم ليلى‏

وعرفت حلب الموال الأربعاوي والخمساوي والتسعاوي والعشراوي والتنعشاوي بنسب أقل بكثير من السبعاوي . وعادة ما يقال الموال ارتجالا في السهرات والأمسيات الغنائية وله زجالوه المشهورون الذين يتبادلون الحوار والمناظرات بالمعاني والأغراض المختلفة .‏

الفئة: 
الكاتب: 
محمد قجة