حتى لاننسى الفنان الكبير محمد خيري

العدد: 
13481
خميس, 2011/12/15
في ستينيات القرن الماضي في مدينتنا البعيدة النائية تلقينا صوت محمد خيري عبر إذاعة دمشق ،وكانت المسجلات الكبيرة ذات البكر تصدح بأغانيه ، وبلغ من تعلقنا بصوته أن أطلقنا عليه لقب ملك الموشحات

، وذات يوم في عام 1980 جاءت فرقة فنية إلى محافظة الحسكة تقدم عروضها التهريجية من مسرحيات هزلية ونكت بذيئة ، وفوجئنا بأنها تضم محمد خيري الذي سارعنا لنحضر عروض الفرقة خصيصا لنراه، فصعد رجل تبدو عليه علامات الإجهاد وغنى فاصلاً قصيرا بصوت متعب ، وكان لايتوقف عن إخراج منديل من جيبه بين الفينة والأخرى يبصق فيه ، فصدمنا لأن هذا ليس محمد خيري الذي في ذاكرتنا ،وأدركنا انه يعيش مكابرة لم تطل ، إذ سرعان ما وصلنا نبأ وفاته وهو يغني على احد مسارح بيروت مع ذات الفرقة الهزلية . علامات الإجهاد الشديد التي كانت بادية عليه وصوته المتحشرج عزوناه إلى ما وصلنا من أقوال عن تسممه بمادة أدت إلى تخريب صوته سقته إياها امرأة بسبب الغيرة ، ولا اعرف صحة تلك الرواية التي ما زال البعض يؤكدها ، في حين يعزو آخرون الأمر إلى حياة الفوضى التي عاشها بعد بلوغه الشهرة ، وبين هذا وذاك دخل محمد خيري سجل أساطين الغناء الأصيل في حلب ، وما زالت تسجيلاته مطلوبة من محبي الطرب الأصيل في حلب وغيرها . المؤلم انني حاولت مطولاً البحث عن سيرة حياة هذا الفنان فلم أجد مصدراً وافياً وبعد طول بحث وجدت موجزاً عن حياته في مجلة شرفات التي تصدر عن وزارة الثقافة ، ولأنها المصدر الوحيد سنعتمد عليها في التذكير بهذا الفنان الحلبي الأصيل . نشأته ولد "محمد خيري" في عاصمة الطرب حلب عام 1935. وكان أول تعلمه على يد والده الشيخ صاحب الصوت الجميل في تجويد القرآن الكريم، ومنه تعلم «محمد خيري» القرآن حفظاً وتجويداً، ثم انتسب إلى إحدى حلقات الذكر، فتعلم منها أصول الإنشاد وحفظ الكثير من الأناشيد والقصائد الدينية. أما على صعيد الموسيقا، فقد تتلمذ على يد الموسيقي "بكري الكردي"، فأخذ عنه أصول الغناء الطربي والموشحات والقدود والقصائد، كما تتلمذ على يد «أحمد الفقش» الذي علمه المزيد من العلوم الموسيقية. بدايته الفنية وأول نشاط قام به «محمد خيري» عندما شب قليلاً، كان الغناء في الأفراح في حلب. وما لبث أن انتقل يغني على مسارح حلب، وكان يقدم القدود الحلبية والموشحات. وعندما افتتحت إذاعة حلب إرسالها عام 1949، انضم «محمد خيري» إلى كورسها مردداً إلى جانب «صباح فخري» و«صبري مدلل» وغيرهم، وكان الكورس مدرسة حقيقية للغناء. كما خصصت له فترات يقدم خلالها غناءه الإفرادي الذي تضمن في مجمله الغناء التراثي. وسجل بصوته لإذاعتي دمشق وحلب الكثير من الأدوار والموشحات والقصائد القديمة وكان بينها ارتجالات، أداها بطريقة جميلة حملت الكثير من الخصوصية له. ومن الموشحات التي غناها فاتر الأجفان و(خلا العذار) «لأبي خليل القباني»، وموشح ( زارني تحت الغياهب) لحن «عمر البطش». أما الأدوار التي غناها فمنها (ياقلبي ليه) و( قالوالي بتعشق)، وهما دوران قديمان مجهولا الملحن. ومن ارتجالاته الجميلة التي أداها باقتدار، الأبيات الشعرية ( قل للمليحة وموال) يامن بنورك حرير الهند. في دمشق ومع بدء الإرسال التلفزيوني عام 1960، انتقل "محمد خيري" إلى دمشق، فقدم غناءه عبر الشاشة الصغيرة. وشارك في العديد من البرامج الموسيقية، منها برنامج (مع الموسيقا العربية) الذي أعده وأخرجه «جميل ولاية». وسجل للبرنامج الكثير من الغناء التراثي. واشتهر بشكل خاص بفن الارتجال والموال، يساعده في ذلك صوته القوي ونفسه المديد وقدراته على التلوين والتصرف. وهذه كلها من مميزات المطرب الكبير. فاستطاع أن يقف مع مطربي الصف الأول في سورية إلى جانب «صباح فخري ومصطفى ماهر ورفيق شكري ونجيب السراج» وغيرهم. وأبدع كثيراً في أداء الموال حتى ألحقه النقاد بالمطربين الكبار الذين برعوا في غناء الموال أمثال: «صالح عبد الحي ومحمد عبد المطلب وعباس البليدي . انصب اهتمام "محمد خيري" على التراث، فغنى معظمه، سواء كان تراثاً من سورية أو مصر أو العراق، فجميعه غناء عربي. ومع ذلك قدم عدداً قليلاً من الأغنيات من تلحين كبار الملحنين السوريين، أمثال «مجدي العقيلي وإبراهيم جودت وبكري الكردي»، وجاءت معظم ألحانهم له في القوالب الغنائية التقليدية وبشكل خاص القصيدة والموشح. لكن أكثر من لحن له، كان الفنان "عدنان أبو الشامات"، وجميع ألحانه "لخيري" كانت في قالب الموشح، منها (خدعوا فؤادي) شعر «ابن سهل الأندلسي» و(ياقاتلي بالمقلتين) شعر «محمد حربلي» و(ياحبيب القلب صلني) شعر "عبد القادر رجب" مكانة مرموقة استطاع "خيري" أن يحقق مكانة عربية مرموقة في عالم الغناء. فزار العديد من البلدان العربية، وأحيا فيها الكثير من الحفلات، كما سافر إلى أمريكا اللاتينية وغنى للجالية العربية. وفي أواخر سني حياته استقر في بيروت. وفيها دعاه الفنان "فريد الأطرش" ليغني في الكازينو الذي يمتلكه. وكان «فريد» يطرب لغناء "محمد خيري" ومواويله بشكل خاص، وكان لا يصعد إلى المسرح حتى يغني "محمد خيري" قبله لينتشي طرباً بمواويله. الرحيل المشكلة التي كان يعاني منها «محمد خيري»، أنه كان فوضوياً في حياته، ولايضع لنفسه منهاجاً مبرمجاً في الغناء، كما فعل «صباح فخري». وإنما كان يغني بشكل مزاجي حسبما يتاح له. كما كان مسرفاً في حياته. وهذا انعكس على صحته وصوته، فبدأ صوته بالوهن. ورحل قبل أن يتم الخمسين من عمره. فبينما كان يقف مغنياً على أحد مسارح بيروت في شهر أيار من عام 1981، سقط على المسرح، ومالبث أن رحل في الثالث والعشرين من نفس الشهر والعام، مختتماً بذلك صفحة غنية من صفحات الغناء العربي الأصيل. تكريمه محمد خيري أحد أعلام الغناء الحلبي الأصيل ، وما زالت تسجيلاته مما يحرص على اقتنائها محبوه ومحبو الفن الحلبي الأصيل والمطلوب تكريمه عبر ندوة عنه في فرع نقابة الفنانين ..وهذا من اضعف حقه على مدينته .‏

الفئة: 
الكاتب: 
عبد الرحمن حمادي