هل القانون وحده هو الذي يحكم العمل القضائي ؟.

العدد: 
13579
أحد, 2012/05/13
نعم .. ولكن للعمل القضائي غايات سامية يجب أن يحققها دون مخالفة القانون بل أن القانون وجد لتحقيقها وهي حماية أفراد المجتمع والحفاظ على أموالهم وحقوقهم من الضياع ، ومعاملة الناس بشكل متساو وأمور أخرى سامية ،

ولكن ماالسر وراء بعض القرارات ( وهي قليلة ) والتي تصدر خلافاً لغيرها والتي تحكم ذات الحالة القانونية بل وتنضوي تحت ذات النص القانوني بشكل تجافي هذه الغايات السامية ؟. وهناك أمثلة كثيرة عليها ومنها : - جرائم الشيك بلا رصيد وغيرها من الجرائم الجنحوية الوصف منها ما تحول لقاضي التحقيق ومنها للشرطة ومنها لمحكمة البداية دون معرفة الضابط الذي يتحكم في ذلك . – المعروض الذي يقدم من المواطنين للنيابة العامة فمنه ما يحول لرجال الشرطة ومنه ما يحول للمحكمة المختصة رغم أن مواضيعه واحدة .‏

– قرارات التوقيف الاحتياطي وقرارات التخلية لا تكون واحدة في الجرائم والدعاوى المتماثلة بل وحتى لا يتساوى المدعى عليهم فيها رغم أنهم في موقف واحد .‏

– مؤسسة الحكم مع وقف التنفيذ معطلة دون سبب رغم أن لها دوراً إيجابياً في العمل القضائي وعليه شرعها المشرع في القانون .‏

– قرارات وقف الحكم النافذ لا تكون واحدة في الحالات المماثلة حيث أنها فقدت مصداقيتها لدى المحكوم عليهم ولم تعد ذات تأثير عليهم .‏

– حتى أن قرارات المحاكم المدنية تختلف من غرفة لأخرى رغم أنها محكمة واحدة ، فهناك غرف تثبت حقوق المواطنين وتحفظها من الضياع وهناك غرف لا تأبه لهذا الهدف بل تصدر قرارات مخالفة لأسباب شكلية واهية ، ومن هذه القرارات دعاوى تثبيت البيوع العقارية التي قيودها غير نظامية ، أو التي يكون لها قيود نظامية بل إنها تعتمد على حكم آخر ، فمن الغرف من تثبت هذه البيوع وبالتالي تحفظ حقوق المتقاضين من الضياع مع حفظ حق الدولة في تنفيذها عندما يسمح القانون بذلك مع عدم فوات المنفعة المالية للدولة ، ومنها ما ترفض ذلك دون أن يرف لها جفن على حقوق المشتري من الضياع مخالفة بذلك القانون والغاية التي وجدت المحكمة من أجله ، فلماذا تخالف القلة القليلة من هذه الغرف قرارات الأغلبية ؟. وما هي الغاية من هذه المخالفة وما هي الفائدة المحققة ؟. أيجوز أن يثبت البعض حقوقهم وتضيع من البعض الآخر هذه الحقوق ؟. فلماذا لا تكون القرارات واحدة ومتماثلة حيث أن النص القانوني الحاكم لها واحد والمحكمة واحدة رغم تعدد غرفها وبالتالي يكون الناس سواسية أمام القانون ، الكل يرث بدرجة واحدة أو الكل لا يرث ، فالأبنية المخالفة يجب ألا تبنى ، ولكن إن تم بناؤها بشكل أو بآخر وقام مواطن بشراء دار منها لستر عائلته فيها حيث أن سعرها وطريقة الدفع تناسبه وتناسب جيبه ودخله ، فعلى القرار القضائي أن يحفظ لهذا المواطن حقه هذا تاركاً لأولي الأمر أمر مكافحة الأبنية المخالفة بالشكل المقبول ووفقاً للقانون ، وكذلك البيوع العقارية استناداً لقرار قضائي مبرم وصادر بالشكل القانوني ، فلماذا لا تعتمده بعض المحاكم كمستند للملكية بالدعوى ؟. وهل تملك المحكمة عدم الأخذ بقرار قضائي مبرم ؟ ، وإذا ملكت هذا الأمر فكيف نلزم الآخرين بالعمل به ؟. فالمواطن يلجأ للقضاء من أجل حفظ حقه عندما يغلق الطريق المحدد في وجهه ، فكيف للقضاء رده وبالتالي ضياع حقه هذا بل لماذا هو دون الآخرين ؟. فالقاضي الذي يستند في رده إلى قانون صادر منذ قرن يطلب من المدعي تثبيت الحكم قضائي السابق بالسجل العقاري أولاً وعندها يمكنه الحصول على قرار جديد من غرفته ، علماً بأنه لو كان بالإمكان تنفيذ الحكم الأول لما لجأ المواطن للمحكمة لتثبيت شرائه . هذا في الدعوى الإقرارية ، فما بالك في دعوى الخصومة التي يمكن أن تستمر سنوات وبعد ظهور أحقية المدعي بشراء هذا العقار يصدر القرار برد الدعوى كون ملكية المدعى عليه تستند إلى حكم قضائي سابق غير منفذ بالسجل العقاري ؟. مواطن وصل لحد الإفلاس يملك شقتين في بناء اشتراهما قبل إكمال البناء فيه فحصل على حكم قضائي يثبت هذه الملكية ، وعندما وصل لحافة الإفلاس جعل هاتين الشقتين كبدل وفاء دين للآخرين عليه ، فذهب كل منهما إلى وكيل قضائي لتثبيت هذا الشراء وقام كل منهما بتسجيل الدعوى المناسبة ، فالمحامي المبتدئ حصل على قرار بتثبيت هذا البيع ، والمحامي القدير كان حظه أن سجلت الدعوى لدى قاض رد الدعوى لكون الملكية تستند إلى حكم قضائي سابق وكان القرار مبرماً بسبب تقدير قيمة الدعوى . هذا موقف تعرضت له حيث تم وضعي في الميزان مع محام مبتدئ وتم الحكم بأنه أشطر مني وأفهم مني بالقانون والعمل القضائي . ما هو ذنبي وما هو ذنب المواطنين من هذه العشوائية والمزاجية في القرارات القضائية التي تجعل زيد يرث وزيد لا يرث ، ولماذا تؤثر على مصداقيتي كمحام أمام الموكلين ؟. الموكل يأتي للمحامي طارحاً قضيته وطالباً الحل الذي يطيب له وفقاً لنص القانون ، ولكن بعد ذلك يصدر القرار مخالفاً لهذا النص لسبب أو لآخر وهنا يكون المحامي هو الملام لأنه يجهل بالقانون حيث أن القاضي ووفقاً لرأي المواطن لا يخالف القانون وليس له مصلحة بذلك . وهنا أقول : هل القانون وحده يحكم العمل القضائي ؟. أم هناك أمر آخر يمكن أن يسمى المزاج الخاص الذي يؤثر على القرار القضائي فيؤثر على حقوق المواطنين فلا يجعلهم سواسية أمام القانون ويؤثر بالتالي على مصداقية المحامي أمام موكليه . وأنا أقول : الحمد لله أن أصحاب هذا المزاج الخاص هم قلة قليلة جداً حيث أرجوهم العمل بالقانون وحده والسير مع زملائهم الذين نفتخر بمصداقية قراراتهم وحسهم الإنساني والحرص على وحدة القرارات القضائية التي تجعل الناس سواسية أمام القضاء العادل الحنون الحريص على حريتهم وأموالهم وحقوقهم ، ولكم جزيل الشكر سلفاً .‏

الكاتب: 
المحامي محمد سمير شاشو