أبو صبحي التيناوي .. مبتكر مدرسة رسومات السير الشعبية

العدد: 
13598
خميس, 2012/06/07
شكل الفنان الراحل أبو صبحي التيناوي ظاهرة متميزة في الفن التشكيلي العربي ، وهي ظاهرة قد لاتتكرر لأنها نبعت من منبع فطري حيث لم يدرس صاحبها الفن وأصوله، ولكن فطرته أسست لمدرسة متفردة لها الآن شهرتها العربية والعالمية .

ولد الفنان محمد حرب التيناوي في دمشق عام 1884 في حي الجابية ولازم والده الذي كان في أوقات فراغه يرسم أشكالاً مستوحاة من الحكايات الشعبية ، وفي ذلك الحي تشبع من خلال الحكواتي بالحكايات والسير الشعبية كسيرة عنترة والزير والمهلهل ، وفي الدكانة التي ورثها عن أبيه في باب الجابية فجر مواهبه الفطرية من خلال تجسيد وقائع وأبطال السير الشعبية التي سمعها ويسمعها ، فكانت أعماله التي دخلت الآن متاحف الفن العربية والغربية .‏

طفولة الفن‏

يقول علم النفس أن من يستطيع أن يبقى طفلاً يبقى فناناً ، ومن الواضح أن التيناوي بقي طفلاً في ممارسة فنه حتى وفاته عام 1973، ومن هذا الجانب مثلاً انه يرسم أبطال السير الشعبية بأشكال ضخمة في حين يظهر خصومهم بأشكال صغيرة ، ويذكرنا بالأطفال عندما يرسمون منظراً طبيعياً، إذ نجد الطفل يكتب فوق البيت كلمة بيت ، وفوق الشجرة كلمة شجرة ، وهو ما يفعله التيناوي فيكتب فوق رسم عنترة (عنترة الفارس) وفوق رسم عبلة (عبلة) وعندما يرسم عنترة نجده في إحدى اللوحات صاحب شاربين يمتدان وعلى طرفيهما يقف عصفوران تجسيداً للمقولة الشعبية عندما تريد وصف الرجل بالقوة : (على شاربه تقف الطيور) .‏

كنز كبير‏

ترك التيناوي آلاف الرسومات التي جسد فيها الملاحم والسير الشعبية والجوانب الدينية كالإسراء والمعراج ، وقدم رسومات متخيلة شعبياً لجميلات السير الشعبية كفطوم المغربية ، وكان على مدى عقود يبيع اللوحات التي ينجزها مباشرة فذهبت أصول تلك اللوحات مع مشتريها ، وفي الستينيات مع شهرته تداعت بعض المطابع إلى طباعة أعماله مما حفظها ، ومازالت بعض هذه اللوحات تزين البيوت في بعض مناطق ريفنا .‏

تأثيراته في الفن‏

في عام 1981 أقام أحد كبار الفنانين التشكيليين من ذوي الشهرة معرضاً في صالة الاونسكو ببيروت قدم له بدعاية إعلامية واسعة ركز فيها على أنه بدأ مرحلة جديدة في الفن لم يسبقه إليها أحد .‏

المفاجأة كانت أن جميع الأعمال المعروضة استنساخ مع بعض التعديلات عن لوحات التيناوي وأعماله ومن الطريف أن الصحافة انبرت تمتدح المعرض والفنان وأعماله لأنه (ابتكر) أسلوب العودة للموروث الحكائي الشعبي ، واحتفاء بهذا (الابتكار) تقرر اقامة ندوة عن أعماله وأسلوبه وابتكاره وفيها تناوب على الحديث عدد من النقاد فلم يتركوا كلمة مديح إلا قالوها .‏

المفارقة المضحكة التي أذهلت الجميع كانت عندما صعد صحفي وهو يحمل صوراً ملونة مطبوعة وعرضها على أنها من أعمال الفنان صاحب المعرض فهز الفنان رأسه موافقاً منتظراً أن يبحر الصحفي في مدحه ، إلا أن الصحفي فاجأ الجميع بالاعلان أن صور اللوحات هي لفنان سوري معروف اسمه أبو صبحي التيناوي، وهو صاحب ومبتكر مدرسة تجسيد السير الشعبية ، وكان على الفنان صاحب المعرض أن يعلن بأنه (استنسخ) تجربة التيناوي ولم (يبتكرها) ..‏

وفي اليوم التالي للندوة خرجت الصحف تتحدث عن الندوة وما جرى فيها وتتحدث عن فنان الشعب السوري الدمشقي أبو صبحي التيناوي .‏

وبقي متفرداً‏

حاول كثير من الفنانين متابعة تجربة التيناوي ولكن بقيت محاولاتهم ناقصة ، ولعل الفنان الراحل شريف محرم اقترب من أسلوب التيناوي في بعض أعماله ، وحالياً تحتفظ بعض متاحف الفن العربية ببعض أعمال التيناوي .. الظاهرة التي لن تتكرر في الفن .‏

الكاتب: 
عبد الرحمن حمادي