القصة القصيرة جداً كلام في تجربة

العدد: 
13591
ثلاثاء, 2012/05/29
أقلام، مقالات، ملتقيات، احتفاليات متعددة، مرت على ذاكرة الشهباء، تحدثت بإفاضة عن هذا الجنس الأدبي الجديد بعامة، وعن تجربة القاص محمود علي السعيد بخاصة، تحدثت عن الريادة والمضمون

والشكل والسمات المميزة التي تعد ذات أهمية، ومن الأقلام التي تناولت تجربة القاص السعيد في اجتراحه لهذا الجنس، صاحب هذه الدراسة وقد تناول التجربة المذكورة في دراسة مستفيضة نشرت في حينها. وحتى لاتأتي الدراسة الحالية على الوتيرة نفسها، رئي أن نتحدث في جانبين اثنين يرى أنهما جديدان، إذ لم يلحظ أن الدراسات تناولتهما، أحدهما : بواعث الإبداع ومسببات وجوده، وآخر يتناول أصالة التجربة، في الأولى يظن المتابع أن تجربة القاص السعيد التي ظهرت في مرحلة مبكرة نسبية، وبدت محصلة لتراكم نفسي نتج عن ألم كبير عاشته الذات المبدعة في مرحلة ما بعد النكسة، وهو تراكم مايزال أثره بادياً في بعض النتاج الأدبي، هذه النقطة ـ وليس سواها ـ قد تساعد على فهم دواعي الإبداع الجديد المبكر نسبياً، من خلال ربط مطارحاته باللحظة الزمنية المطلقة، فيكون التعامل أقرب إلى الصواب التاريخي، الذي كان ولايزال يلف نشأة بعض الأجناس الجديدة نسبياً، وهنا، ومن هنا تماماً، ويمكن أن يجاب على السؤال الأهم : لماذا أبدع القاص السعيد ما أبدع؟ ولماذا اعتمد هذا الشكل لاسواه بعيداً عن النظر في المحتوى، مع أن له صلة وثقى به . ويمكن أن يقال إن إبداعه الماثل أتى بعد أن تجاذبته إحباطات شتى، وغرق في أتون البلوى زمناً قلقت فيه روحه واضطربت ذاته وتباعدت مناحي فكره فصمت طويلاً إلى أن جاءه المخاض الإبداعي على شكل دفق قصير كان قصة متفائلة، واستمر الدفق الانفعالي وتواصل وشكّل انعطافة في إبداعه، وكانت انعطافة جادة مهمة كانت المعبر الأفضل عن قلق الذات وقلق المرحلة التي لم يعد يناسبها دفق تراكمي في السرد أو الصور، والمتابع لايمكنه أن يغفل أثر المرحلة في إبداعه الجديد، ودلائل هذا كثيرة، فقد بدت تجربته في القص وتولدت في ذاك الفضاء المشحون بالدهشة والغرابة وخيبات الأمل ـ رغم إطلالته المتفائلة ـ التي فارقت ما هو سائد في حينها، وحاولت الانبثاق بجنس جديد يتساوق مع الواقع الجديد، ويتساوى مع الموقف النفسي الذي كان ينوء بحمل تاريخي واقعي، يكاد يهشم ويسبق كل الأباريق التي ادعت وما تزال تدعي الامتلاء، جنس له تأثيره وفاعليته في المحيط الأدبي، وهذه النقطة هي محور الحديث الآتي . ويمكن هنا أن يطرح سؤال بسيط، هل تجربة القاص محمود علي السعيد في جنس القصة القصيرة جداً تجربة رائدة؟ والإجابة المختصرة: نعم هي كذلك ـ رغم استغراقه في أجناس أدبية أخرى ـ ليس لأن أقلاماً كثيرة تناولتها بالدراسة، ولا لأنها كانت محور اهتمام كثير من المشاركين في الملتقيات على ردح من الزمن وهي رائدة لأنها مثلت جدة مباشرة واخترقت قواعد السرد المتعارف عليها في بناء القصة، واعتمدت اختصاراً وتركيزاً يلمح في الجملة، وبوحاً يلمح في الكلمة المفردة التي طمحت إلى مناجاة عالم جديد، وكونت علاقة جدلية بين الإبداع والجدة التي ظهرت في التناول كما ظهرت في الدلالة، وكانت متناسبة مع فن القص القصير جداً، وعطفاً على ذلك كان العالم السردي يعتمد أسساً واقعية مزينة بغرابة لفظية كانت مرتكزاً حاملاً لعالم الخيال وهي رائدة لأنها لم تتعامل مع منجز جاهز وكانت متفردة غير قابلة لقراءات تفسيرية رغم قابلية بعض القصص لذلك لما فيها من بوح وغرابة، لأنها منطلقة من تشكيل لاشعوري امتلأت به ذاته قبل أن يقدم إبداعه الذي عاشه في منطقة الحلم وأطلقه بعد كمون وتركيز، وهي كذلك لأن السرد فيها مختلف عن مثيله في السرديات المألوفة، فكان الدفق العاطفي قصصاً قصيرة جداً لها طعم أدبي مختلف، كان عبارة عن مطارحة جديدة لجنس من أجناس الإبداع، وبذلك لم يكن لعبة هامشية ترقد على هامش فن القص بعامة، ولا لعبة لفظية تراكمية هشة لاضابط لها . وهي رائدة ـ وهذا هو الأهم ـ لأنها أثرت في عدد لابأس به من المتابعين المبدعين (شعراء وقصاصين) اقتفى بعضهم إبداع محمود علي السعيد وسايروا تجربته، منهم من قصر عنها فأحجم، ومنهم من لايزال يغذ السير ويحاول التجاوز باجتهاد وصبر واستمرار، وهي كذلك لمعطيات أخرى تلمح في ثنايا القص . مثل هذه الجدة والمحاولة ليست غريبة على المناخ الإبداعي الأدبي الحلبي، ودائماً .. من حلب .. من أدبائها ومفكريها .. يأتي الجديد .‏

الكاتب: 
زياد محمد مغامس