أوراق ممثل فاشل …تجربتي مع المسرح

العدد: 
13591
ثلاثاء, 2012/05/29
البداية: العودة إلى الطفولة … لم أكن أعرف المسرح، جمعنا الأستاذ، وقال: هذه لكَ، وأعطى بقية زملائي ورقة مكتوب عليها أشياء، وكذلك أعطاني عدّة ورقات، خمس، أو ست، لا

أذكر ذلك، كنا في نهاية الدوام، وكان اليوم اثنين، والساعة قاربت على الرابعة، ومعدتنا صارت فارغة، والتعب أخذ منّا كل مأخذ. قال الأستاذ المعلم، تحفظون هذه الورقة أو الورقات، وتحضرون في الغد لنجري هذه المسرحية، ويظهر أن الأستاذ لم يدر ما هو المسرح أيضاً، وعلى ذلك انصرفنا من المدرسة متعبين، مهدودين . كنت في الصف الثالث الابتدائي، وكانت مدرستنا بعيدة عن بيتنا، فأنا أجتاز حارات وشوارع وأسواقاً حتى أصل إليها، كنت أستيقظ مبكراً، فآكل لقمتين على عجل، وتكون الساعة قد صارت السابعة إلا ربعاً، فأمضي إلى مدرستي، والنوم لا يزال يعشش في عيني. حينذاك تبدأ فيروز بالغناء، وأسمع ترنيمة مرحبا يا صباح ، من المذياع الفليبس الكبير المركون في زاوية بيتنا، أمضي فأقطع الحي الأول والثاني والسوق، والحيّ الرابع والسوق الثانية والحي الخامس إلى أن أصل إلى المدرسة. فيستقبلني بعض التلاميذ ممن بيوتهم بعيدة أيضاً، نلهو فترة قصيرة، أو نلتزم الصمت إلى أن يحين قرع الجرس، فنلتمّ نحو ساحة العلم، ويبدأ الأساتذة بالوصول إلى الساحة، ثم معاون المدير، ثم المدير، ويأتي أستاذ ويصفنا رتلاً يتكون من اثنين، اثنين، واستارح استاعد، بدأت العملية، بنشيد الله أكبر، فنشق قلب الأرض وندك عنان السماء، ثم يليه نشيد الجزائر قسماً بالنازلات ثم يلي ذلك أناشيد عبد الناصر. وما أن انتهت الأناشيد ورفرف العلم حتى صرخوا على اسمي، لم أدر ماذا حصل، فاليوم هو الأربعاء، الثاني والعشرون من آذار، وأنا لم أحفظ الورقات، لقد فتحتها وقرأت، كان كلاماً كثيراً، يقوله خالد، وهو بطل المسرحية، أو أنا ، من مثل : ماذا فعلت لك أمك يا خالد؟ فيكرّ خالد مقدار نصف صفحة، ويسأل للآخر : وماذا فعلت لك أيضاً، ويظهر أنني لم أكن مشهوراً بالحفظ، فألقيت الورقة وقبل أن أنام قلت في نفسي، نتغيّب غداً عن المدرسة، ما الذي سيحصل؟ ، لا شيء. أنت تقول لا شيء، ولكن الحضور من أولياء الأمور، جلسوا ينتظرون لأكثر من ساعة حضورك ولم تأتِ، عند ذلك لفلفوا الموضوع، وقالوا: هذا اليوم لا توجد مسرحية بمناسبة عيد الأم، نظراً لأن خالداً مريض، وانتظروا إلى اليوم التالي، فما أن انتهت حفلة الأناشيد، حتى وصل الأستاذ الذي أعطانا الورق، وبدأ سؤاله لي، والعصا مرفوعة وراء ظهره، أين كنت يوم البارحة، وتلجلجت كفريسة من آكلي العشب وقعت بين يدي صياد من آكلي اللحم، وأدركت أن الساعة آتية لا ريب، سلمت أمري إلى صاحب الأمر، وبدأ العدّ العكسي، وتجمهر مجموعة أساتذة فوقي، ولم أدرٍ ما الذي حصل بعد ذلك، لأنني عندما أفقت كنت مرمياً في غرفة معاون المدير، وجسدي كله يتمزق، عاينت الغرفة، وعندما لم أجد أحداً فتحت الباب وشرّقت إلى الدهناء ... وكان التمثيل : هذه الحكاية تركت درساً في حياتي لا يمكن نسيانه، وما أن بلغت السابعة عشر من عمري حتى هزّني خبر قرأته على باب أحد الدكاكين، الخبر يقول: إنهم بحاجة إلى ممثلين، فعلى من يجد نفسه يجيد هذه الصنعة أن يتقدم إلينا، المراجعة في نفس المكان، كان المكان المعلن عنه في شارع الحميدية نيكالاوس، كما هو مسجّل على موقف الباص، ودخلت بوجل فلم أجد أحداً، وجدت سهماً يشير علي أن أسلك طريقاً إلى الأسفل، فسلكت، وتربصت، ثم بدأت أسمع أصواتاً خشنة، وفجأة انداح النور أمام عيني، فرأيت قوماً مشتتين، مغبرين، وقفت أنتظر مع المنتظرين، فقد كان ثلاثة أو أربعة، يصرخون في وسط الساحة وتشكل حولهم متفرجون يصفقون بين لحظة وأخرى، وفي فترة الاستراحة تقدم مني رجل حليق الوجه وسألني عن سبب حضوري، قلت ببلاهة: التمثيل، فأشار عليَّ أن أتبعه، فتبعته، ودخل غرفة جديدة، فيها طاولة وعدة كراسي، ثم أخرج دفتراً وقلماً، وبدأ بسؤالي، كان السؤال الأول، عن اسمي، واسم أبي، ثم سؤاله الثاني عن ثقافتي، فقلت الثالث الثانوي، فوضع القلم، وقال: أنت تصلح كاتب سيناريو، فلا يوجد أحد بين هؤلاء يجيد القراءة والكتابة، كلّهم إما سوّاس، وإما كومجي، أو بائع خضرة . الرجل الحليق كان اسمه منذر قضيماتي، وفهمت من الممثلين فيما بعد، أنه أضاع ثروة وهو يشتري الكاميرات من فئة 8 ملم أو 16 ملم، على فكرة المحل كان به عدّة كاميرات للتأجير، وذهب إلى مصر، أم الدنيا، كما يقولون، وحاول أن يشتغل بالتمثيل، لكنه باء بالفشل، فعاد واكترى هذا المحل، وبدأ يعلّم الناس التمثيل . وهكذا سجّل اسمي في دفتره كاتب سيناريو ، وأخذت الدرس الأول، فقد قال لي نحن بحاجة ماسة إلى أمثالك ولا أدري من أين حصل على كلمة ماسة وكيف وجدت في قاموسه. الرجل كان طيباً مهذّباً، غير شرس، على عادة المخرجين، تستطيع أن تقول أن القطة تأخذ اللقمة من يده، ولكنه ساعة العمل مخرج ومخرج حقيقي، وكان في المكان عدّة كاملة من سيوف وتروس ومسدسات وبنادق أوتوماتيكية، وشعور مستعارة وبعض الألبسة، فكان الممثلون يرتدون بعض هذه الأشياء ويبدؤون بالتمثيل . انتظرت صديقي الذي يحبُّ التمثيل حبّاً لا مثيل له أن يحضر من الطبقة مدينة الثورة لاحقاً ، وكان يدعى محمد الحريري وهو نفس الممثل المعروف الذي توفاه الله عن عمر صغير لا يتجاوز الخمسين عاماً، وعندما حضر، شرحت له الموقف، وكيف أصبحت كاتب سيناريو، فاهتم بالأمر، واتجهنا نحن الاثنان إلى دكان التمثيل، وهكذا سجل محمد الحريري نفسه ممثلاً، بينما رحت أتلقى الدرس الثاني في كتابة السيناريو . Action : إننا نصور فيلماً عن الفدائيين لقد دارت الكاميرا، إننا نصور فيلماً عن الفدائيين، بطولة محمد الحريري، وأنا كاتب السيناريو وإخراج منذر قضيماتي، وأذكر أننا احتجنا إلى قزلة نار لنلقي بها أنفسنا، فذهبنا إلى الأحراش، أوقدنا ناراً، استعرت حتى بلغت الأعالي، فكان الممثلون يلقون بأنفسهم فيها، وهم يمسكون البنادق البلاستيكية ويصرخون: بالروح وبالدم نفديك يا فلسطين . شاهدنا الفيلم أسود وأبيض، وكنا نجلس على أرض المكتب، بينما المخرج يجلس على كرسي، ويجلس في آخر الصف ويشعل سيجاراً، لا أعرف من أين حصل عليه، وعندما انتهى الفيلم صفقنا جميعاً بحماسة منقطعة النظير. صديقي الجميل محمد الحريري الذي يقيم في الطبقة الثورة بشكل مؤقت، ذهب إليها وعمل مسرحاً فيها، هو وبعض أصدقائه، إلى أن أعلن توجهه إلى دمشق والعمل فيها كممثل في المسرح العسكري، أمّا أنا فقد تكتلت على نفسي، فهذا العام سيكون حاسماً بالنسبة لي، وفيه سأقلع عن كلّ شيء، ما عدا الجلوس وراء مقعد الدراسة، لأنني كنت في الصف الثالث الثانوي الأدبي، أي البكالوريا، وعلى هذا نويت . كنت أدرس كثيراً أثناء الليل، وأذهب إلى المدرسة لأضع يدي أسفل رأسي، وأذهب في نومة طويلة، تنتهي في التاسعة والنصف، موعد استيقاظي، ومغادرة المدرسة هروباً إلى السينما، وفي مرّة استيقظت على صوت مدرّس اللغة العربية ، وهو يقول للطلاب : اذهبوا إلى المسرح، اذهبوا إلى مسرح الشعب، إنه في منطقة العزيزية، اسألوا عنه، لماذا تبقون في ظلام، اذهبوا إلى النور، لماذا تعيشون حالة التخلف، هناك بضعة رجال ينتظرون حضوركم ، أغمضت عيني وعدت إلى النوم، متابعاً درس العروض وملاقياً شعراء المهجر فوق ناقة تعبر بنا النهر، لنلقى الأهل والخلان، وأصحاب النفوس الكريمة . عند المساء شعرت بروحي تتوق إلى قليل من الهواء، ارتديت ثيابي، وتمشيت قليلاً إلى أن وصلت منطقة لا أعرف ما هي، سلكت مسالك وضعت في القفار، إلى أن اهتديت إلى مسرح الشعب، وهناك توقفت، وسألت نفسي، وعدت لأسائلها، مرّة وأخرى، ثم جمعت ما بقي معي من نقود وأخيراً دخلت إلى المسرح لأوّل مرّة في حياتي. المسرحية كانت من تأليف وليد إخلاصي ومن إخراج حسين الإدلبي ، وقد استرخيت في المقعد واستمتعت كثيراً، هكذا يكون المسرح، هذا ما قلته لنفسي وأنا أصعد الدرج لأستقبل الهواء النقي . وشدّني المسرح، وهكذا رحت أحضر جميع مسرحيات مسرح الشعب، من مثل علي جناح التبريزي، وهي من تأليف ألفريد فرج وإخراج حسين الإدلبي أيضاً، الديب، لوليد إخلاصي وأيضاً لحسين إدلبي، وكيف تصعد دون أن تقع لوليد إخلاصي ومن إخراج بشار القاضي، وكنت قد أخذت الثانوية وتسجّلت في الجامعة، قسم اللغة العربية. وقد أعجبني فيها شخصية جبّارة، هو محمد أبو معتوق، لأنه يكتب الشعر والمسرح ويكتب للأطفال بآن واحد، وكانوا يمثلون له مسرحية أيديولوجيا الأخطاء وهي من إخراج محمد الدروبي، وفي هذا العام تعرفت إلى المخرج محمد الدروبي، وتعاونت معه في نصب ديكور مسرحية دوائر الغضب وهي من تأليف عادل أديب آغا، وإخراجه، أي محمد الدروبي، وعندما انتهينا من وضع الديكور، وثبتناه، قام مهندس الإضاءة بالحرد أي أنه لم يعد يشتغل إضاءة، وعندها نظر إلي محمد الدروبي، وقال: ما رأيك ؟ ، قلت: موافق، وهكذا تم الأمر . كتب لي عملي المخرج محمد الدروبي على ورقة، وأجلسني أمام لوحة بها مفاتيح كثيرة، وقال لي: اعمل، فجلست مرتبكاً، ولم أستطع فعل شيء، خاصة أنني تذكّرت النور الذي في بيتنا، فطقة واحدة ويشتعل النور، فما بالك وأنا أجلس وأمامي خمسون طقة وربمّا أكثر، وكلها سوف تشتعل أو تنطفئ، وكان لابدّ ممّا ليس منه بدّ، وبدأنا البروفة سوبر جنرال، إذ لا وقت عندنا للبروفات، لأن غداً سيبدأ العرض، ظهرت بعض الأخطاء، قال المخرج، سيتدرب عليها مهندس الإضاءة في البيت، وفعلاً تدرّبت عليها في البيت، وفي اليوم التالي، جمعت إخوتي وأصدقائي، بناء على رغبة المخرج لحضور المسرحية، وحضروا جميعاً لم يتخلف واحد منهم، وأنا صعدت إلى غرفة الإضاءة، وتسمّرت أمام المنصة، والخمسون طقة نور أمامي، وبعد أن أصبحت الساعة الثامنة والنصف، بدأ العمل: أحمر وأزرق وأصفر، وما ينتج عنها من ألوان، ولكن ماذا سأفعل، الممثلون في حالة الخروج عن المسرح، وأنا أقف عاجزاً لا حول لي ولا قوة، وفجأة إظلام تام، فيخرج الممثلون وهم يكيلون لي الشتائم ثم يعودون وشتائمهم تملأ فمهم، فإذا كان هناك إظلام وضعت إنارة، وإذا كان إنارة وضعت إظلام، وأسمع الشتائم بأذني وأطنش، استمر الحال على هذه الصورة قرابة ربع ساعة ليستقر مرّة أخرى وتعود الأمور إلى مستقر لها، وقد كان السبب في كل ذلك هو الورقة التي كتب عليها الأستاذ محمد الدروبي، المخرج، لمهندس الإضاءة عمله، فقد كتب على سبيل المثال: وأبي صلّى على حجر، إشعال أحمر، ولكن الممثلون لم يصلوا إلى هذه الكلمة، لذلك بقيت الإضاءة باللون الأبيض. في اليوم التالي، أخذت النوطة التي عن العمل، وجلست قليلاً مع المخرج، وقلت له: تفضل وضع الأمور في نصابها، وعندما وضعها في نصابها، تحسّنت رؤيتي للعمل، وتحسّن أدائي، وهكذا سارت المسرحية إلى نهايتها . في السنوات التالية أصبحت الفرجة على المسرح متعتي، وأصبحت أتفرج على فرقة المسرح الشبيبي، فأشاهد صباح عبيد، ووانيس باندك، ومحمد الحريري وبسام كوسا، وفائز أبو دان وفرقة مسرح الشعب لأشاهد أحمد حداد وجوزيف ناشف وعبد الرحمن حمود، وعبد الوهاب الجراح وفرقة المسرح الشعبي عمر حجو، وثناء وثراء دبسي . وفرقة نادي شباب العروبة حيث كنت أشاهد غسان مكانسي وفاضل وفائي ورضوان سالم وغسان دهبي وفرقة المسرح العمالي، فرأيت ناصر ومروان وردياني، وفي فرقة المسرح الجامعي شاهدنا فواز الساجر، وبسام كوسا وخليل الرز ونجم الدين سمّان وغادة جاويش ومحمد الدروبي، وإيليا قجميني، ومن المفارقات الضاحكة أن إيليا قجميني درس في إيطاليا وعندما عاد إلى سورية سمّى نفسه إيليا قجميني، فقد كان اسمه إيليا شاهين تيمناً بأخته فاتن شاهين، ولكنه كان مساعداً لبازوليني لذلك سمّى نفسه بإيليا قجميني . كنا نذهب من حلب إلى دمشق لنشاهد مسرحية لفواز الساجر أو غيره، وكنا نرافق فرقنا المسرحية إلى العاصمة لنشاهد عروضها، ونصفق لها تصفيقاً منقطع النظير. هل بقي مسرح وهل نستطيع ذلك الآن ؟ ... لا أعرف .‏

الكاتب: 
فيصل خرتش