دار الكتب الوطنية بحلب …منارة فكر ومشعل ثقافة

العدد: 
13591
ثلاثاء, 2012/05/29
ذاك الصرحُ الباذخ الذي ينتصب أمام المرء في موقعه الفريد، كانت نواتُه يومَ شروعه الوليد سنة 1924 حين كان في البداية مقراً متواضعاً في خان الجمرك يشرف عليه الشيخ

كامل الغزي (-1933 م) مؤرخ حلب، وجُعل يومئذ فرعاً للمجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية اليوم). وفي عام 1937 وبمساعي الأمير مصطفى الشهابي محافظ حلب وضع الحجر الأساسيُّ للبناء الجديد في ساحة باب الفرج واكتمل البناء بنهاية عام 1939 مع بداية الحرب العالميّة الثانية، وهذا ما أدى إلى جعله مقراً للدفاع المدني خلال تلك الحرب أيام الانتداب الفرنسي، وهكذا لم تُفتح المكتبةُ أبوابها إلا سنة 1945 إذ جرى تدشينها يومَ الثلاثاء 4 / 12 / 1945 وكان الشيخ راغب الطباخ مؤرخُ حلبَ الآخرُ أحدَ المتحدثين عنها وعن تاريخ المكتبات عند العرب . كان عددُ الكتب يومئذ نحو / 6000 / كتاب ، تجمّعت فيها خلال السنوات الفائتة، وأشرفت بلديةُ حلبَ على إدارتها وتعيين موظفيها ونفقاتها المالية وفرشها وتغذيتها بالكتب وإعداد أقسامها ومستودعاتها ، حتى قاربت محتوياتُها اليوم من الكتب مائةَ ألف ، ثلثاها باللغة العربية والثلث الآخر باللغات الأجنبية ولاسّيما الفرنسية والانكليزية والتركية، هذا إلى جانب ثروة غنية ووثائقية من الصحف والمجلات السورية والعربية النادرة، يضاف إلى ذلك أيضاً عدد من المكتبات الخاصة التي أهديت إليها خلال حياة أصحابها أو بعد وفاتهم ولاسيما مكتبة خير الدين الأسدي . وفي عام 1954 ألحقت رعاية هذه الدار بوزارة الثقافة ، وتعاقب على إدارتها بضعة عشر مديراً، بدءاً من الشيخ كامل الغزي فعمر أبو ريشة ، حتى نصل إلى مديرها الحالي الصديق الأديب محمد خالد النائف . وكثير من أولئك المديرين أدباء وشعراء وباحثون كعمر أبو ريشة وسامي الكيالي وعلي الزيبق .. وكان لمعظم هؤلاء المديرين ولاسيما الذين طالت مدةُ إدارتهم لها أثر طيب ودور كبير في اتّساع النشاط الثقافي وإعلاء منارة العلم والأدب، وفي مقدمتهم الأديب سامي الكيالي صاحبُ مجلة الحديث التي كانت تصدر في حلب (1921 - 1960) وتسلم إدارة المكتبة الوطنية بحلب في خمسينيات القرن العشرين، وامتاز عهد إدارته بحركة ثقافية ونشاط دؤوب في ميادين الأدب والفكر والفن والنقد والاجتماع وخصوصاً استضافةَ ثُلةٍ من أعلام الأدباء والمفكرين ومن دعاة الإصلاح في القرن العشرين من داخلِ سوريةَ وخارجها في مختلف الاختصاصات بحكم عمله في ميدان الأدب والصحافة ، أذكر بعضهم على سبيل المثال ، ممن عرفهم أبناء جيلنا حق المعرفة ولايكاد يعرفهم أبناء الجيل الحاضر : خليل الهنداوي ، وعمر يحيى، ومحمد سعيد الزعيم، ومحمد مصطفى وسليم عادل عبد الحق وجميل صليبا ونقولا زيادة، والشيخ محمد أبو زهرة، وفؤاد أفرام البستاني وفؤاد صروف وعبد الله عبد الدايم وأحمد أمين ، ومحمد حسين هيكل، وأمين الخولي ، حتى أدباءِ المهجر كميخائيل نعيمة وحتى النساء الأديبات : كبنت الشاطئ وأمينة السعيد، ودرية شفيق، وزاهية أيوب، وزينب لبيب، وسلوى نصَّار، وعفيف صعب، ووداد سكاكيني ، وكلهم ممن طبقّت شهرتهم الآفاق في ذلك العصر، وتركوا بصمات بارزة في مسار الحياة الثقافية والفكرية في سورية والوطن العربي ـ فكانوا يُلقون محاضراتهم القيّمة في القاعة الكبرى بدار الكتب الوطنية في أمسيات الجُمَع من كل أسبوع غالباً ، وكان إقبالُ جمهور الحلبيين على الحضور عظيماً، يُتابعون المحاضرات باهتمام ويشاركون في المناقشات والمداخلات والتشجيع، وكانوا مثالاً للمستمع اليقظ والمناقِش الضليع الفَهِم، في تلك الأمسيّات الجميلة وذلك الجو الممتع ، العبِق بعبير عكاظَ ومجالسِ سيف الدولة الحمدانيّ ويعيش ابناء الشهباء في فُسحة فكرية وأدبية وثقافية يتمنّون دوامها واستمرارها ، لأنهم يتصلون عن طريقها بماضيهم الزاهر وحاضرهم الحيّ، كما يتعرفون كلَّ ما يمرّ على مسرح العالم من تيارات الفكر التي تُلمّ بصنوف الحضارات وتنير صدى الطريق نحو الرقي والتقدم والتطور . واستمرت دعوة كبار المفكرين للمساهمين في بحث شتى قضايا الفكر ولاسيما تلك التي تمسّ حياتنا القومية والاجتماعية والعربية عامة. ومأثُرةٌ ثانية حميدة سنّها مدير الدار سامي الكيالي ، كان يقوم بطبع تلك المحاضرات التي ألقيت في القاعة الكبرى بدار الكتب الوطنية سنةً سنة بدءاً من سنة 1952 في كتابِ ممهورٍ باسم الدار يحمل عنوان المحاضرات العامة ويمتاز بطباعة فاخرة وحجم كبير وإخراج أنيق، إذا قيس ذلك بما كانت عليه الطباعة في تلك الأيام، وظهر من تلك السلسلة خمسة أجزاء بين سنتي 1952 و1957 وكان في النية إصدار جزأين آخرين لكن هذا العمل توقف، وكل كتاب منها يضم ثمراتٍ يانعة من ثمار الفكر البشري . وقد افتتح سامي الكيالي مدير الدار الجزء الأول بتوطئة قال فيها : وهنا نحن أدلاء نضم هذه المحاضرات في كتابٍ لتعمّ فائدتُه من جهة، ولنؤرّخ من جهة ثانيةٍ ظاهرةً من الظواهر الأدبية في مدينة سيف الدولة ذاتِ الماضي الباهر في تاريخنا الأدبي القديم. يضاف إلى المكرُمتين تلك اللقاءاتُ الخاصة العفوية التي يلتئم فيها شملُ بعض شيوخ الأدب ممّن هم في سن أساتذتنا وكنا نحن الشباب نحرص على الانضمام إليهم مشاركةً أو طلباً للفائدة، من أمثال عمر يحيى ويونس رشدي، ومصطفى اللاذقي وجلال الملاح وعلي الزيبق وغيرهم في غرفة مدير الدار أو في قاعة عمر أبو ريشة ، حيث تطرح قضايا ومسائل فكرية وثقافية وأدبية ولغوية وما إليها. وكان الشاعر علي الزيبق في عهد إدارته لدار الكتب الوطنية ، في ثمانينيات القرن الماضي قد أحدث ما سمي (بحلقة الكتاب) يوم السبت من كل أسبوع يُدرس ويُناقش فيها كتابٌ من منشورات وزارة الثقافة في قاعة عمر أبو ريشة في الطابق الثاني ويحضرها نخبة من صفوة محبي الأدب وكان لها صدى ثقافي طيّب، نشَّط الساحة الأدبية والنقدية . ثم أعاد إحياءَها صديقُنا الأديب محمد خالد النائف مع شيء من التطوير والتحديث بما كان له أطيب الأثر في جمع شمل عشاّق الكلمة، وما تزال مستمرة حتى اليوم ، ولم تعد قاصرة على حلقة كتاب، بل تعدّتها إلى أمسياتٍ وندوات أدبية مختلف . هذا، ولم تقتصر رسالة دار الكتب الوطنية على ما سبق ذكره ، بل تعدّت ذلك إلى الأداء المسرحي، حيث قُدّمت على خشبة مسرحها كثير من (الروايات) يعني المسرحيات كما كانت تسمى، وقد قام بتمثيلها كبار الفنانين الذين لم تخرِجّهم المعاهدُ المسرحية، بل مارسوا ذلك هواية وتدريباً، وأنشأ نصوص تلك المسرحيات عدد من الأدباء من حلب وغيرها من المدن السورية التي نهض فيها وازدهر تقديم المسرحيات منذ أربعينيات القرن الماضي، بعضها مؤلف، وبعضها معرّب أو مترجم. ولاشك أن مثل تلك المسرحيات كان لها أثرها البالغ في تهذيب النفوس وتنوير العقول، وأقبل الجمهور عليها بشوقٍ زائد ولهفةٍ شديدة، وقد قُدمت العشرات من المسرحيات على مسرح دار الكتب الوطنية منذ مطلع أربعينيات القرن العشرين، وأول مسرحية قُدمت على مسرح هذه الدار (كما أخبرني الصديق الفنان هلال دملخي مؤلف كتاب حلب في مئة عام) هي مسرحية عُطيلس 1943 1945 ز س وفا فطيمة . وتوالى بعد ذلك تقديم المسرحيات حتى اليوم ، ومنها مسرحية الجزائر تثور سنة 1956 لمؤلفها منير داديخي ومخرجها مأمون الجابري . ومنها مسرحية العسل المسحور تأليف الكاتب التركي عزيز نيسين وإخراج جوزيف ناشف سنة 1956 وهكذا دواليك .. وانصرف اهتمام أصحاب المسرح المؤّلف إلى أمجاد الأمة العربية وتاريخِها وشخصياتِها البارزة وقواّدها الأبطال في الماضي والحاضر كطارق بن زياد وموسى بن نصير وصلاح الدين الأيوبي وجميلة بوحيرد ، فضلاً عن الموضوعات الاجتماعية والوطنية والإصلاحية . ولاتقتصر آثار دار الكتب الوطنية بحلب على المجالات السابقة بل يضاف إليها برامج متنوعة أخرى كاستضافة أو استقبال عروض ومهرجاناتِ الشباب للفنون المسرحية، ونشاطات التكريم والتأبين لعدد من الشخصيّات الحلبية ونشاطات الشبيبة والطلائع ومهرجاناتَهم، فضلاً عن الحفلات الفنية والموسيقية والندوات وغيرها مما يشهده مسرح وقاعات هذه الدار التي أصبحت اليوم برعاية مديرها الأستاذ محمد خالد النائف غصناً رطيباً وفرعاً مثمراً في دوحة مديرية الثقافة التي يتولاّها الأستاذ غالب البرهودي، وهذان الصرحان يسيران كتوءمين تحت مظلة الثقافة والفكر والأدب، ولمديرية الثقافة أيضاً نشاطاتها الواسعة والخاصة بها، وآخرها تحقيق ذلك الحلم الذي راود النفوس وهو إصدار مجلة الشهباء الثقافية . ونخلص من ذلك كله إلى أن دار الكتب الوطنية بقيت في معظم عهودها معلماً من معالم الثقافة في حاضرة سيف الدولة ، وقامت برسالتها على دعائم راسخة ، أدّت وتؤدّي إلى انتشار الثقافة، وتنوير الجيل من جمهور حلب الشهباء وضيوفها الوافدين عليها، مما كان له أطيب الأثر في نفوسهم التي أنعشتها تلك النشاطات ، وتركت فيها أجمل الذكريات نتيجة للجهود المتواصلة التي بُذلت وتُبذل في سبيل كل فكرة أصيلة ومُنتج قويم في ميادين الثقافة والمعرفة والفن والأدب وما إلى ذلك . ولهذا كانت غايتها ثقافية محضة، وعلميةً خالصة من أجل النهوض بالأجيال ، وتنمية الملكات ، واستشراف الآفاق في تعرّف ما يجري في العالم القريب والبعيد جمعاً بين الأصالة والحداثة ، والتالدِ والطريف، من التراث الحي الذي يلقَى الاهتمامَ بإحيائه وإعلاء بنائه ، ليبقى هذا الصرح الشامخ منارةً للثقافة ، ومشعلاً للأدب، ونبراساً لكل من يريد أن يسلك هذا المسلك ، ويقومَ بأداء رسالته على الوجه الأكمل والصعيد الأسمى .‏

الكاتب: 
محمود فاخوري