تاريخ نقابة المحامين بحلب...مقتطفات من كتاب الذكرى المئوية لنقابة المحامين

العدد: 
13584
أحد, 2012/05/20
حتى القرن الثامن عشر، ما كان يعرف في حلب ولا في سائر البلاد العربية والإسلامية محامون محترفون يقدمون الخدمات القانونية للمتقاضين..

كان القاضي الشرعي والمحكمة الشرعية هما السلطة القضائية المعروفة في تلك العصور وإليهما يرجع المتقاضون.‏

وكان أولئك الذين اضطروا لمراجعة المحكمة يلجؤون إلى تعيين وكيل ممن يحسنون القراءة والكتابة ينوب ويعبر عنهم لدى القاضي الشرعي. وعن عبد الرحمن الكواكبي يقول (جرجي زيدان) في كتابه (بناة النهضة العربية):‏

كان الكواكبي واسع الصدر طويل الاناة معتدلا في كل شيء وكان عطوفا على الضعفاء حتى سماه الحلبيون "أبا الضعفاء" وجاء في الرائد المصري أنه كان له في بلده مكتب للمحاماة يصرف فيه معظم نهاره لرؤية مصالح الناس ويبعث إلى المحاكم من يأمنهم من أصحابه ليدافعوا عن المظلومين والمستضعفين.‏

وقد أوجد هذا التعامل طبقة اتخذت من الدفاع عن الغير أمام القضاء مهنة لهم أطلق على أفرادها تسمية (وكيل الحكم أو وكيل الدعوى) واستمر العمل بأحكام الفقه الإسلامي في الوكالة والدفاع عن الغير أمام المحاكم في العهد العثماني ولا سيما بعد وضع مجلة الأحكام العدلية في العام 1293/هـ (1876 م).‏

استمر هذا الوضع في العهد العثماني إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين أدرك العثمانيون مكانة المحاماة وأهمية هذه المهنة النبيلة متأثرين بالحضارة الغربية التي اتصلوا بها بدءاً من أواسط القرن التاسع عشر.. فأحدثوا (مكتب الحقوق) في عاصمة بلادهم لتدريس القانون.‏

إلا أن الخطوة الأساسية التي خطاها العهد العثماني في تنظيم المحاماة كانت في تشريع (نظام وكلاء الدعاوى) الذي صدر في 16 ذي الحجة 1292 (14 كانون الثاني 1876) وكان هذا النظام خاصاً بمحاميي العاصمة (الاستانة)..‏

وجاء فيه النص المعرب:‏

النظام الداخلي الخاص بوكلاء الدعاوى في المحاكم النظامية‏

الفصل الأول‏

بيان شروط الانتساب والقبول في مهنة وكلاء الدعاوى.‏

المادة الأولى:‏

بموجب هذا النظام الداخلي يمنع القيام بوكالة الدعاوى، في المحاكم الرسمية، لمن لم يحصل على ترخيص رسمي من ديوان الأحكام العدلية في الوزارة الجليلة.‏

ويستثنى من ذلك الأشخاص الذين يقومون بتوكيل أقربائهم أو أنسبائهم أو المشاركين لهم في الحقوق لأنهم لا يرغبون إقامة الدعوى بأنفسهم.‏

وحين كثر عدد الوكلاء، وجدت الحكومة العثمانية الحاجة ملحة لتنظيم هذه المهنة، فأصدرت " قانون وكلاء الدعاوى، - الافوكاتية (هكذا اسمه الرسمي)، المؤرخ في ذي الحجة 1301 (8/9/1884)، حصرت بموجبه وكالات الدعاوى لدى المحاكم النظامية بالاستانة والولايات المحروسة، والذين يتخرجون من مكتب الحقوق، باستثناء من كانوا حاصلين على شهادات من المكاتب الحقوقية الأجنبية، فإن لهم الإذن في مزاولة وكالات الدعاوى بالاستانة وخارجها أيضاً.‏

النظام الداخلي المتعلق بامتحان وكلاء الدعاوى‏

المادة الأولى:‏

بعد تاريخ هذا النظام الداخلي تنحصر مهنة وكلاء الدعاوى في المحاكم النظامية في كل من اسطنبول والممالك الأخرى بالسادة خريجي المدرسة الحقوقية بشهادة علمية، وكذلك يسمح للسادة الذين حصلوا على شهادات علمية في المدارس الحقوقية الأجنبية وفقاً للفقرة الأخيرة من المادة السادسة ممارسة وكالة الدعوى في اسطنبول وفي الخارج.‏

نقابة محاميي حلب في العهد العثماني‏

في ظل هذا النظام العثماني رأى وكلاء الدعاوى في حلب.. أن ينشئوا كياناً للمحاماة في ولايتهم حلب، وكانت مبادرة فريدة وجريئة في نوعها وزمانها لم يسبقهم إليها محامو أية ولاية عربية أخرى.‏

وبالعودة إلى أوراق وسجلات نقابة المحامين في حلب، وخاصة محاضر الجلسات المحررة باللغة العثمانية القديمة والمكتوبة بأحرف عربية نقرأ في محضر الجلسة الأولى التي عقدها محامو حلب الوقائع التالية:‏

الاجتماع العمومي الأول المنعقد بتاريخ 21 آذار 1328 رومية (1330 هـ)‏

الجلسة الأولى‏

اجتماع الهيئة العمومية برئاسة الرئيس المؤقت (رئيس السن) عبد المسيح أفندي‏

وحضور أعضاء الهيئة (الأفندية): الياس طوبجي/شكري أسود/باسيل جنادري/مناشي، اسكندر/ممتاز/سليم/رشيد/باسيل عبجي/منصور‏

تم في الاجتماع المذكور التصديق على نتيجة الانتخابات التي تم إجراؤها لتشكيل الهيئة الدائمة التي فاز فيها بأكثرية الأصوات كل من (الأفندية ): طوروس رئيس أول/ حازم للرئاسة الثانية‏

إلى جانب الأعضاء: مناشي/سليم/رشيد/منصور.‏

المحضر موقع من قبل الرئيس المؤقت للهيئة العمومية وأعضائها، وقد سبقت الإشارة إليهم أعلاه.‏

التاريخ المذكور في الوثيقة تاريخ شمسي رومي شرقي أو مالي (بحسب المصطلح العثماني). وهو تقويم كان معتمداً في المعاملات الرسمية لدى حكومة دولة الخلافة العليا العثمانية.‏

وهي عبارة عن أشهر رومية مطابقة لأسماء الأشهر الميلادية، والسنة الهجرية تزيد سنتين شمسيتين متساويتين عن السنة الرومية أي أن العام /1328/ رومي أو مالي المذكور في الوثيقة يقابله /1330/ هجرية.‏

وقد انتهى العمل بالتاريخ الشمسي الرومي الشرقي عقب سقوط الدولة العثمانية، ولذلك لا يعرف هذا التقويم إلا المتخصصون في اللغة التركية العثمانية وفي الشؤون العثمانية.‏

وهكذا، تأسست نقابة المحامين تحت اسم (جمعية وكلاء الدعاوى) بحلب في21 مارس 1328/ رومي أو مالي الموافق ليوم 21/ آذار/ 1912 ميلادي وكانت أول نقابة تنشأ في العالم العربي.‏

وفي جلسة التأسيس الأولى المسماة باللغة العثمانية (برنجي اجتماع عمومي) انتخب المجتمعون - المؤسسون - رئيساً أول للنقابة هو (الكونت طوروس أفندي دي شادارافيان).‏

كما انتخبوا حازم أفندي رئيساً ثانياً - وفقاً لنظام وكلاء الدعاوى العثماني الصادر في العام /1876/ - كما ورد في محضر الجلسة الأولى المؤرخ 21/ آذار/1328/ مالي الموافق 21/ آذار/1912 ميلادي.‏

وبعد انتخاب رئيس الهيئة العامة التأسيسية للنقابة باشرت هذه الهيئة بوضع (النظام الداخلي) للنقابة المسماة يومها (جمعية وكلاء الدعاوى) وعقدت /16/ جلسة انتهت بوضع النظام الداخلي بتاريخ 20/12/1913.‏

وفي جلسة 20 نيسان 328 - 1912:‏

اجتمعت الهيئة العامة للجمعية في منزل الرئيس الأول طوروس أفندي وحضور الرئيس الثاني حازم أفندي وحضور تسعة أعضاء. وتقرر تشكيل لجنة منتخبة مؤلفة من طوروس أفندي وشكري أفندي وممتاز أفندي مهمتها وضع النظام الداخلي للجمعية.‏

وفي جلسة 6/ أيار/ 328 - 1912:‏

اجتمعت الهيئة العامة في منزل ميناس أفندي وأقرت المادة /24/ من النظام الداخلي ونصها:‏

إن الدعاوى الخاصة بالأهالي الفقراء تحول إلى هيئة المشاورة الحقوقية وذلك من قبل الهيئة الدائمة بعد تدقيقها، وتتم التسهيلات المطلوبة بخصوص أصحاب الدعاوى.‏

وخلال هذه المدة من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى المسماة بالعثماني (برنجي اجتماع عمومي) في 21/ آذار/1912 ولغاية تاريخ إنجاز النظام الداخلي.. انتسب إلى الجمعية العديد من وكلاء الدعاوى وكان المحامي سامي بك الصلح (رئيس وزراء لبنان فيما بعد) أحد المؤسسين، وقد حضر سامي بك عدداً من جلسات الهيئة العامة وشارك في وضع النظام الداخلي للنقابة.‏

وسامي بن عبد الرحيم الصلح من مواليد (عكا) في العام 1890 وتوفي في العام 1960.‏

درس الحقوق في الآستانة وجاء إلى حلب في العام 1913 وافتتح فيها مكتباً للمحاماة، وكانت جمعية (وكلاء الدعاوى) في طور التأسيس بحلب فانضم إليها وأضحى عضواً مؤسساً فيها .‏

وحين أنجز المؤسسون النظام الداخلي رفعوه إلى والي حلب العثماني للمصادقة عليه، إلا أن ظروف الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية حالت دون تصديقه وبقي الأمر على هذه الحال إلى العام 1920 حيث تمّ التصديق عليه من قبل حاكم حلب في ظل الانتداب الفرنسي وذلك بتاريخ 12/ تشرين الأول/ 1920.‏

وبموجب النظام الداخلي (لجمعية وكلاء الدعاوى) فإن الجمعية تألفت من الهيئات التالية:‏

الجمعية العمومية - أي الهيئة العامة المؤلفة من جميع المحامين‏

الهيئة الدائمة - أي مجلس النقابة المنتخب من الجمعية العمومية لمدة سنتين‏

الهيئة الاستشارية - مؤلفة من ثلاثة محامين منتخبين من الجمعية العمومية.‏

وتنتخب الجمعية العمومية من أعضائها في الأيام الخمسة عشر الأولى من شهر آذار مجلس النقابة المؤلف من: رئيس أول - رئيس ثان - أربعة أعضاء - وفق نظام وكلاء الدعاوى الصادر في العام 1876/م.‏

ومدة الهيئة الدائمة سنتان‏

وقد حددت المادة /10/ من النظام الداخلي مهام الهيئة الدائمة ومجلس النقابة كالتالي:‏

المادة 10 - واجبات (مهام) الهيئة الدائمة:‏

1- إعطاء قرار قبول السادة الراغبين بالانتساب إلى الجمعية.‏

2- إجراء التعديلات التي تستوجبها التبدلات والوقوعات الطارئة على أفراد الجمعية. والتي تستدعي تبدل التشكيلات الموجودة في جداول وكلاء الدعاوى.‏

3- المحافظة على مكانة جمعية وكلاء الدعاوى ورعاية مصالحهم.‏

4- متابعة أعمال وتصرفات وكلاء الدعاوى ومتابعة تحركاتهم بدقة.‏

5- اقتناء وشراء جميع الأدوات والأشياء اللازمة للهيئة وصيانتها.‏

6- المحافظة على مبادئ وقواعد مهنة الوكلاء القائمة على الاستقامة والرقي.‏

7- حل وإزالة المشكلات المالية الناجمة، والاتصال لهذا الغرض بوزارة العدلية الجليلة.‏

8- متابعة تحقيق أحكام النظام الداخلي بشكل تام.‏

9- حل الخلافات التي تقع بين وكلاء الدعاوى بسبب الصنف والصفة، وإذا تعذّر حلّها يتمّ بيان الرأي بصورة مذكرة فقط.‏

10- تقديم الإيضاحات حول الاختلافات والمنازعات الماديّة (الأجور) التي تنشأ بين وكلاء الدعاوى.‏

11- تدقيق حسابات أمين الصندوق ومناقشة الأمور المتعلقة بجمعية وكلاء الدعاوى ودراسة الطلبات المقدمة للانتساب للجمعية، ونسخها ومتابعة تنفيذ الإجراءات المقررة من قبل الجمعية المذكورة.‏

12- إذا كان أحد أفراد الجمعية قد تمّ تقديمه إلى المحكمة فإنه بالإمكان معاونته والتوسط من أجله والدفاع عنه.‏

أما الهيئة الاستشارية للنقابة فهي مؤلفة من ثلاثة محامين ينتخبون بالأكثرية من الجمعية العمومية.. لمدة /6/ أشهر ولا يمكن إعادة انتخابهم قبل مرور سنة على انتخابهم السابق.‏

وتتولى الهيئة الاستشارية تقديم المشورة - بناء على الطلب - إلى الحكومة والرؤساء الروحيين والأشخاص المحتاجين مادياً وذلك مجاناً وبدون مقابل..‏

وهكذا كان تأسيس أول نقابة للمحامين في العالم العربي في حلب في العام 1912 وبلغ عدد المحامين المنتسبين إليها بحسب ما ورد في محضر جلسة الهيئة الدائمة - أي مجلس النقابة - المؤرخة 27/12/1914 /24/ محامياً.‏

استمر نفاذ التشريعات العثمانية على مهنة المحاماة والمحامين (وكلاء الدعاوى) في حلب إلى ما بعد انسحاب الدولة العثمانية من سورية في العام 1918 وبداية العهد العربي الفيصلي في حلب وبلاد الشام..‏

بتاريخ 1/ تشرين الأول من العام 1918، دخل الجيش العربي بقيادة الأمير فيصل بن الحسين دمشق.‏

وبتاريخ 8/ آذار/ من العام 1920 اجتمع المؤتمر السوري في دمشق وأعلن استقلال سورية المتحدة ومبايعة الأمير فيصل ملكاً عليها.‏

وكانت حلب ممثلة في المؤتمر السوري بالسادة:‏

مرعي باشا الملاح ، رضا الرفاعي‏

رشيد مدرس , محمود نديم‏

سعد الله الجابري ، أحمد عباس‏

فاتح المرعشي ، شوكت الحراكي‏

ابراهيم هنانو ، شريف درويش‏

جلال القدسي ، يوسف كيخيا‏

حكمت نيال ، نوري الجسري‏

تيودوري انطاكي ، زكي يحيى‏

دام العهد الفيصلي أقل من عامين (من 1/10/1918 ولغاية 25/7/1920) لم يتسع خلالها الزمن ولا المجال للحكومات العربية الفيصلية النظر في مهنة المحاماة، وبقي وكلاء الدعاوى المتخذون من هذه المهنة حرفة لهم مثابرين على عملهم على ما كانوا عليه في العهد العثماني السابق.. وهكذا بقي محامو حلب يعملون في ظل (النقابة) أي (جمعية وكلاء الدعاوى) التي أسسوها في العام 1912 وأصدروا نظامها الداخلي في العام 1913.‏

إلا أن ظروف العهد الفيصلي لم تمنع مديرية العدلية آنذاك من إصدار البلاغ التالي:‏

بما أن مديرية العدلية مهتمة بوضع قانون للمحاماة، يحظر تعاطي هذه الحرفة على غير أهلها، فهي ترغب من حضرات المحامين في المنطقة الشرقية أن يعرّفوها على أسمائهم ومحال إقامتهم لأجل حصرها في سجل خاص، وأن يكون ذلك خلال شهر من تاريخ هذا الإعلان.‏

(نشر في جريدة /العاصمة/ " وهي الجريدة الرسمية بدمشق آنذاك ") العدد /55/‏

الكاتب: 
المحامي بيير عبد الأحد