ريادات موسيقية

العدد: 
140148
سبت, 2015/02/14
كما كانت حلب تستقبل الأجواق الموسيقية الغنائية العربية باستمرار. وقد أظهرت لنا زيارة أم كلثوم حلب عام 1931م،

وهي إحدى زياراتها لها، الموسيقار أحمد الإبري ناقداً موسيقياً فذاً من خلال المقالة التي نشرها في مجلة الحديث الحلبية في وقت لم يكن النقد الموسيقي يتجاوز المداخلات الشفوية في جلسات الاستماع والسهرات،كما أن لقاءاته الدائمة مع الشيخ علي الدرويش الموجهة نحو التراث في داره بأغير وفي النادي الموسيقي وفي بيوت أصدقاء الفن كانت بمثابة ندوات موسيقية يحضرها موسيقيو حلب على مختلف اتجاهاتهم، وفيها كان الإبري يعمق بحثه في الموسيقى الشرقية، وكان الدرويش والإبري الباحثين الموسيقيين المشهود لهما في حلب، والمرجع الأول لأهل هذا الفن. وكان التعاون بينهما كبيراً ومثمراً، وفي الحفلات التي يشتركان فيها كان الدرويش يقود الفرقة حين أداء المقطوعات الموسيقية والغنائية العربية الكلاسيكية، وكان الإبري يقود الفرقة حين أداء المقطوعات الحديثة . وفي سنة واحدة هي عام 1952 م فقدت حلب هذين العلمين، وكانت قد فقدت قبل ذلك الفنان الكبير عمر البطش عام 1950م، فكانت خسارتها كبيرة بفقد هؤلاء الأعلام الثلاثة..‏‏

كما أن لقاءات الإبري مع شاعر الشباب آنذاك عمر أبو ريشة صقلت ذائقته الأدبية والجمالية، وأغرته صحبته له بالتجديد فقد كان عمر شاعراً حداثياً يحمل ثقافة الغرب وروح الشرق. وكان للفرق المسرحية العديدة في حلب دور في التحديث والتعبير بالموسيقى لما يتطلبه المشهد المسرحي، وكان لدى المسرحيين الحلبيين آمال كبار في تقديم الأوبريتات على خشبة المسرح كما يفعل الغرب، وكان من ثمار ذلك التزاوج الأدبي والفني بين عمر والإبري تلك المسرحية الشعرية " ذي قار " التي ألفها عمر ووضع موسيقاها وأغانيها الإبري.‏‏

وكانت حلب قد شهدت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر نهضة موسيقية واسعة، وتأصلت فيها القدود والموشحات الحلبية. وأصبحت مدرسة للغناء العربي الأصيل ذات خصوصية وطابع حلبي صرف، وانتقلت أسرار هذا الفن إلى مصر على يد أحد رواد الفن الحلبي شاكر أفندي الحلبي عام 1820م ، وهو بعض من الميراث العظيم الذي ورثته حلب عن أعلام الموسيقى والغناء في العصر العباسي والعهود الحمدانية والأيوبية والمملوكية وحافظت عليه وأغنته .‏‏

وكان الملوك والأمراء في الممالك يطلبون الأسماء والفرق الموسيقية الحلبية إلى بلاطاتهم.وهاهو قانصوه الغوري سلطان المماليك في مصر والشام يطلب من واليه بحلب أن يرسل إليه الرائد والفنان الكبير المعروف باسم محمد الآلاتي ( محمد بن البزرة) مع فرقته الموسيقية والغنائية، فأرسله إليه، وهناك في القاهرة أسمع هذا الفنان الحلبي السلطان ما لم يسمعه من قبل.‏‏

كما أن سلطان المحمَّرة الشيخ خزعل(في إقليم عربستان) طلب من الشيخ علي الدرويش الحلبي أن يشكل فرقة موسيقية ليقيم في سلطنته فشكل فرقة من أساطين الفن بحلب وكان فيهم الفنان الكبير عمر البطش. ولا زال المطربون والموسيقيون الحلبيون اليوم يغزون بفنهم العربي الأصيل الذي يحمل طابع المدرسة الحلبية أسواق الغناء في البلاد العربية والعالم .‏‏

وبالرغم من أنه لم تكن في حلب معاهد موسيقية بالمعنى الحديث لهذه الكلمة، فإنه كانت هنالك بيوت وزوايا وتكايا يتعلم فيها الحلبيون الأنغام والأوزان وأصول الموسيقى والغناء، يقوم بالتدريس فيها أساطين هذا الفن وشيوخه. ويكفي أن يجيز أحدهم تلميذا له لينطلق في هذا المجال مزوداً بشهادة أستاذه والتي هي بمثابة الشهادة التي ينالها الطالب اليوم من المعاهد الحديثة.‏‏

الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي