إضاءات توثيقية في الفن التشكيلي العربي المعاصر

العدد: 
14320
اثنين, 2015/08/24
يبدو تاريخ الفن العربي المعاصر من أشد ما في ذاكراتنا الثقافية غموضاً واختلاطاً, خاصة في بعض مساحاته الاستهلاكية,

, فتبدو ثغرات لصالح طوفان أسماء متوسطة الأهمية, أو فاقدة لأدنى مقاييس القدرة الإبداعية.‏

مما يجعلنا نعيد النظر فيما كتب في تاريخ الفن العربي المعاصر وحتى كتابة هذه الأسطر فأغلب مواده التراكمية عبارة عن كتابات حديثة استهلاكية أو مزاجية لا يعول عليها بسبب تواضع اختصاص ومعرفة أصحابها, بمعنى آخر لم يتحوّل تاريخ الفن التشكيلي حتى اليوم إلى مادّة معرفية منهجية, فكل ناقد أو كاتب يغنّي على ليلاه.‏

وإذا كانت المساحة السخيّة من الكتابة لا تعدم إضاءات توثيقية, وشهادات زمان ومكان, ولا تخلو من صلاحية استثمارها والإحالة إليها, فهي مشرذمة, مبعثرة في مواقع صحفية متباعدة, وقد يحتاج فرز الغثّ عن الثمين إلى عمليات معلوماتية معقّدة. وذلك من أجل استخراج جملة مفيدة ورأي مسؤول.‏

ونجد على صفحات النقد في كثير من المواقع العربية وخاصة المصرية التأريخ الانتقائي للفن العربي, والأساس هنا غالباً العصبية النهضوية, فبالقدر الذي يقترب فيه أسلوب الروّاد أو المخضرمين أو المحدثين من النماذج الغربية (وسوء فهمها) يكون الفنان أكثر شهرة, ولذلك فقد ظُلمت أو ظلّلت أعمال تعتبر اليوم من أشدها خصوصية ضمن هذا القياس التعسّفي, فحامد ندا لا يقل عبقرية عن سيد درويش, وتوفيق الحكيم يذكر ضمن قائمة طويلة أو يغيب أو ننتظر دوره حتى يأخذ موقعه من الذكر. استمرت هذه المحاباة, فنالت من تجارب معاصرة لنتصوّر أن عبقرية جورج بهجوري مثلاً يتنازع حكمها رأيان نقديان متعارضان : الأول متعصب, والثاني يخرجه من اللوحة تحت تهمة (الكاريكاتير), لقد أصبحت القدرة على الرسم اليوم تهمة, وكان على هؤلاء إخراج الفنانين: جويا ورومييه وبيكاسو وسيغي وتولوز لوتريك, والتعبيريين مثل غروز وغرومر وبكمان وبازلتز.‏

وكيف يمكن أن نعتمد على توثيق لفن بالغ الأهمية مثل فن البهجوري بشهادات بهذه الدرجة من الإسفاف والمجانية? وبالعودة إلى بداية إشكالية هذا التأريخ النقدي للفن حيث ان أفدح الأخطاء النقدية التي نقترفها في كل مرة نهمّ فيها بالتأريخ لأي محترف عربي معاصر,إذ تتمثل في سعينا العبثي عن نقطة الولادة الموهومة, مستسلمين إلى سذاجة البداهة النهضوية وأن بداية الفن التشكيلي انطلقت من الصفر والعدم التشكيلي المحلي, وكأننا هابطون من كوكب آخر لا يعرف أي ذاكرة للون أو الخط, نتلمّس هذه النقطة مع بداية القرن بما يخص تاريخ المحترفات المشرقية العربية, ومنتصفه بما يتعلق باستهلالات محترفات الخليج, وما بينهما بما يخصّ تأسيس الفن المعاصر في بلاد المغرب العربي, وهنا نقع على مغالطة معاكسة, تربط تأسيس المحترفات بالاستقلال, رغم أن التصوير الذي كان يسمّى شعبياً كان يمثل خندق دفاع وحماية ومقاومة ثقافية متقدّمة.‏

كل هذا كان يتم أثناء الاستعمار الفرنسي, وهو ما يفسر تأسيسه للمعاهد الأولى مثل معهد تطوان في المغرب ووهران في الجزائر وبشكل مبكر منذ الأربعينيات, أي إن هذه المعاهد التي تشكل بؤر التأسيس الحقيقي للفن المعاصر لا علاقة لها بالتحرر الثقافي من الاستعمار الفرنسي, بعضها تمّ بنوع من التغريب القسري مثل فرض اللغة الفرنسية بدلاً من العربية, كذلك فإن محاولة الإقصاء تمت في شتى أعضاء الجسد الثقافي من العمارة إلى الموسيقا ومن التعليم إلى اللغة, ومن التشكيل إلى الصناعات الحرفية وسواها, وقد خلفت خاصة في مصر بعد الاستقلال الحس النهضوي البنّاء الذي أخرج الثقافة التشكيلية من خمول ونوم , ولكن الحساسية النهضوية تمت من خلال استقبال الآخر الثقافي من قبل الذات الثقافية, ولكن مفاهيم المعاصرة والحداثة والعولمة التي تلت هذه المرحلة وصلت في اندماجها بالآخر إلى حدود التفريط بالذات من اللغة إلى الصناعة.‏

إن مشكلة ضياع الذاكرة التصويرية ورسومها وميكانيكها تثبت أن هزائمنا الثقافية أشدّ مضاء وهولاً من هزائمنا في مجالات أخرى, وإلا فماذا يعني أننا غير قادرين اليوم على كتابة تاريخ فن لأمة عربية خلال مائة عام? علينا أن نحاول رأب الصدع معتبرين أنه لا توجد حداثة دون ذاكرة, فالحداثة ما هي إلا تتابع لحداثات وذاكرات متعاقبة, فصفة الحداثة نسبية التفضيل. وبالنتيجة فمن الضروري عدم تناول المقياس (البارومتر) الجمالي من خارج مقياس تاريخ الفن العربي, وإلا أعيد إلى حشد نماذجه الجاهزة المنقولة التي تتعامل حتى اليوم بعنصرية تجاه الفنون ذات النسغ المحلي.‏

علينا ألا نفرّق في المغرب بين نخبوية محمد المليحي وشعبية فاطمة حسن, باعتبار فن عبد الكريم وزاني متوسطاً بينهما, وقد يكون الأبلغ حداثة, وإذا ما انتقلنا من المغرب إلى سورية, كان لا بد من التعامل مع نخبوية نذير نبعة بالاهتمام البحثي نفسه مع زوجته شلبية إبراهيم.‏

علينا أن نتخلص من الاستشراقية ومقاييسها المغروسة في اللاوعي بالاحتقار العام لكل ما هو محلي, والتصفيق لكل ما يراهن على عدم معرفتنا به من مراهقي أوروبا‏

المهم أن نملك القدرة على التمييز (حتى في ذخائر التراث) بين ما هو نخبوي وما هو استهلاكي, حتى ولو كانت الأسماء تمثّل نجوماً توارثنا الإذعان لريادتها دون نقاش, وعلينا أن نعوّض غياب التاريخ والتوثيق من جسد الفن العربي المعاصر, بالتحالف بكل شيء من الصفر, كي نكوِّن مكتبة بحوث وتوثيق بدل العرض النرجسي للأسماء وإرضاء النجوم.‏

الكاتب: