المدرسة التعبيرية وعلاقتها بالرومانسية في الفن التشكيلي

العدد: 
14321
ثلاثاء, 2015/08/25
تعتبر المدرسة التعبيرية في الفن التشكيلي وجهاً آخر للرومانسية وهي تعيد بناء عناصر الطبيعة بطريقة تثير المشاعر،

والاتجاه التعبيري قد صار يعمل على التنظيم والبناء من جديد للصورة الرومانسية ولكن في أسلوب تراجيدي يتسم بما تعانيه الأجيال في العصر الحديث من قلق وأزمات، ويعتبر الفنان فان كوخ الرائد الأول لهذه المدرسة ويأتي بعده الفنان (مونخ) والفنان (لوتريك).‏‏

حيث تسعى المدرسة التعبيرية في الفن التشكيلي جاهدة إلى أن توضح القيمة التعبيرية في العمل الفني، وتحقق ذلك بطرق عدة ، وقد تميزت السنوات الأولى من القرن العشرين بظهور اتجاهات فنية جديدة عدة كان أهمها: الوحشية والتعبيرية والتكعيبية وكانت هذه الاتجاهات حداً منطقياً لما وصل إليه الفن الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر، فمن المعلوم أن مصوري عصر النهضة اهتموا بالتجسيم لأنهم جعلوا من الفن الإغريقي مثلهم الأعلى، ومنذ ذلك الحين أصبحت العناية بإبراز كتلة الأجسام بوساطة التظليل من أهم خصائص الفن الأوروبي، ولسنا نجد مثل هذا الاهتمام بتظليل الأجسام في فنون التصوير التي عرفتها المدنيات الأخرى كالفن المصري أو الفارسي أو الهندي والصيني، ولذلك يعتبر ما حدث للفن الأوروبي خلال القرون التالية لعصر النهضة ظاهرة استثنائية في تاريخ الفن، فقد أخذ الفنان الأوروبي يتحرر شيئاً فشيئاً من فكرة التظليل موجهين اهتمامهم إلى لغة الألوان بدلاً من لغة الظل والنور (الضوء) وأخذت هذه الفكرة تتطور من مدرسة إلى أخرى فتنضم أكثر وأكثر.‏‏

أما الوحشية والتعبيرية فظهرت عام 1901 حيث أقيم معرض كبير لأعمال الفنان (كوخ) وكان يندرج في فترة من فتراته الفنية تحت مدرسة الانطباعية، وفي عام 1903 أقيم معرض آخر لأعمال الفنان غوغان، فأثار هذان المعرضان اهتمام جماعة من الشباب الفنانين، وفي السنة التالية أفرد صالون الخريف (معرض كان يقام في باريس لعرض أعمال الفنانين) قاعة خاصة لأعمال هؤلاء الشباب، وقد بلغت جرأتهم في استخدام الألوان والتعبير بها الى أن أطلق ناقد على هذه القاعة اسم قفص الوحوش ومن ثم أصبح يعرف اتجاه هذه الجماعة باسم الوحشية وفي الوقت الذي ظهرت الوحشية في فرنسا ظهرت في ألمانيا الحركة التعبيرية متأثرة أيضاً بغوغان وفان كوخ، وقوي التأثير بالتراث بتهاويله وأشباحه وتخيلاته الموحشة الغربية، والتعبيرية نقيض الانطباعية، فالانطباعية تعتمد كثيراً على الإحساسات البصرية والانطباع الأول عن كل ما يقع عليه بصرك، أما التعبيرية فتنبع من انفعال باطني (أي تأثير بحدث أو بشيء ما وانفعالك به) وإذا ما نظرنا الآن في تطور الفن الأوروبي منذ واقعية أواسط القرن التاسع عشر حتى ظهور هذه الاتجاهات الجديدة نجد أنه يشبه إلى حد ما تطوراً آخر حدث في ميدان العلم وهو الانتقال من مفهوم الكتلة أو المادة إلى مفهوم (الطاقة)، فالفنان لا يصف أشياء وإنما يعبر عن معان نفسية وذهنية.‏‏

ومن أهم فناني الوحشية ماتيس أبرع ملون في العصر الحديث والتعبيرية ظهرت ملامحها في أعمال الكثير من فناني نهاية القرن التاسع عشر كما نجدها في بعض أعمال فناني الوحشية الفرنسية والمستقبلية الإيطالية، ومن ثم تمثلت التعبيرية في مدارس عدة سواء في أوروبا أو في أمريكا اللاتينية، وفي ألمانيا يعتبر الفنان (فان كوخ) أول من مهد للتعبيرية، غير أنها لم تظهر بوصفها مدرسة إلا عند الفنان النرويجي أدوار مونش 1944-1863 تأثر مونش في بداية حياته الفنية بالتأثيرية الجديدة وبالوحشية وبفن فان كوخ وغوغان على الأخص، غير أنه ركز على القيم التعبيرية في أعماله، فأنتج مجموعة كبيرة من اللوحات المرسومة والمحفورة أهمها لوحته (الصرخة) .‏‏

إن الفنان التعبيري لا ينقل موضوعاً جمالياً بل ينقل المشاعر العارمة إزاء موضوع معين، وهو لا يلجأ إلى العقل بل يلجأ إلى العاطفة، وأفضل طريقة يستطيع أن يفهم بها الإنسان المذهب التعبيري بوصفه حركة فنية هي أن ينظر إليه بوصفه معارضاً لمذهب الانطباعي، ففي حين تكون الحركة في الاتجاه الانطباعي من الطبيعة إلى الفنان نجد أن المصور التعبيري يسقط أحاسيسه الباطنية إلى صورة معاناته وأحلامه، وعواطفه.‏‏

التعبيرية ترتكز على أغوار النفس الإنسانية، والانطباعية اعتمدت على الإحساسات البصرية وعلى تحليل الألوان، أما التعبيرية فتنبع من انفعال باطني وتوتر داخلي، والفرق بين التعبيرية والرومانسية وبينهما أوجه شبه كبيرة، فهما معاً يعدان نزعة مضادة للواقع وهما معاً يعتمدان على الإسقاط وهما يرتكزان على الأحلام وعلى الخيال وهما أخيراً انتصار للذات ضد الموضوع.‏‏

الواقع أن التعبيرية تختلف عن الرومانسية في أنها لا تلوذ بالهرب والتقوقع داخل الذات أمام ما يهدد الإنسان بل على العكس من ذلك تواجه الخطر بكل شجاعة، وقد رفضت الواقع بكل حماسة؛ وذلك في سبيل تشييد ملامح جديدة للإنسان المعاصر.‏‏

الكاتب: