فن الكاريكاتير.. تاريخه وبعده الإنساني والوطني

العدد: 
14330
خميس, 2015/09/03
الكاريكاتير هو فن يعتمد علي رسوم تبالغ في تحريف الملامح الطبيعية أو خصائص ومميزات شخص أو حيوان أو جسم ما

وغالباً ما يكون التحريف في الملامح الأساسية للشخص أو يتم الاستعانة عن الملامح بأشكال الحيوانات والطيور أو عقد مقارنة بأفعال الحيوانات.‏‏

إن فن الكاريكاتير من الفنون والرسوم الساخرة النابض بالحياة، له جماهيره العاشقة والناقدة ليس فقط بسبب أن هذا الفن الإبداعي يعكس هموم الناس، ويتلمس واقعهم بعمق، وتفاصيل حياتهم اليومية بجرأة وشجاعة وله القدرة على اختراق النفس البشرية، وتعبيره عن أعماق وعيها، ويصرخ بأعلى صمته عبر الريشة والحركة والشكل.‏‏

عندما يكون النقد هدفاً، تصبح السخرية وحتى المبالغة أسلوباً من أساليب هذا النقد، أما الواقع فهو الملهم دائماً.‏‏

الكاريكاتير الذي يعتبر طريقة للتعبير عن رأي خاص في شخص أو حدث تميزه سرعة الانتشار الكبيرة في الصحافة والإعلام بشكل عام مع أنه ذو وجه غير ودود، وباستطاعتنا أن نقول إن هذا الفن يعد وبحق واحداً من أهم فروع الفنون التشكيلية ، فيأتي المعنى بالكاريكاتير على اعتباره فناً ساخراً من فنون الرسم، وهو صورة مبالغة هدفها إظهار تحريف مقصود في ملامحَ طبيعية أو خصائص ومميزات شخص أو جسم ما، بغية السخرية أو النقد الاجتماعي والسياسي.‏‏

إلى ذلك ففن الكاريكاتير له القدرة على النقد بما يفوق المقالات والتقارير الصحفية أحيانا.‏‏

وتختلف الآراء بخصوص منبع هذا الفن الذي طالما استهوته ملامح الوجه، لكن كلمة "كاريكاتير" مماثلة تماماً لكلمة "بورتريه" التي تعطي نفس المعنى مع وجود فارق في طبيعة الكلمتين أساسه مفارقة في خطوط الرسم، ففي "الكاريكاتير" كثيراً ما يعمد الفنان في رسم خطوطه إلى درجة كبيرة من المبالغة في الشكل والحجم عن سابق قصد، الأمر الذي يجعل السخرية تبلغ أعلى درجاتها.‏‏

من جهة ثانية، يعطي النقد المقصود الانطباع المشهدي المؤثر والمحرض معاً، والذي يريد الرسام إطلاقه أو البوح به.‏‏

وأما رسم "البورتريه" فيعتمد على قواعد مثالية ثابتة لا يمكن تجاوزها؛ فالرسم يجب أن يكون مطابقاً تماماً لواقع ملامح الشخصية دون أي تغير أو مبالغة أو تضخيم.‏‏

وإن الصورة الكاريكاتيرية هي رسالة من الفنان إلى المشاهد في سياق مشترك قائم على بنية الواقع الذي يعيشانه معاً، ومن هذا المنطلق فإن الفكرة الكاريكاتيرية تنقسم إلى عدة أنواع فمنها السياسية والاجتماعية.‏‏

ورغم أن الكاريكاتير يستخدم الخطوط البسيطة في نقل المعنى والمضمون، إلا أن له الدور الأبرز في الدفاع عن قضايا مهمة منها حقوق الإنسان.‏‏

إن هذا الفن بسيط ومؤثر في آن معاً فضلاً عن أنه يتمتع بخواص كثيرة منها إظهار عيوب المجتمع في صورة ساخرة ممتعة تدعونا إلى إحداث التغيير في ثوابت راسخة متجذرة في الواقع والتي غالباً ما تتطلب التجديد‏‏

الكاريكاتير عبر التاريخ‏‏

الكاريكاتير اسم مشتق من الكلمة الإيطالية "كاريكير "( Caricare)، التي تعني " يبالغ، أو يحمَّل مالا يطيق " (Overload)، والتي كان موسيني (M0sini) أول من استخدمها، سنة 1646.‏‏

وفي القرن السابع عشر، كان جيان لورينزو برنيني Gian Lorenzo Bernini))، وهو مثّال ورسام كاركاتيري ماهر، أول من قدمها إلى المجتمع الفرنسي، حين ذهب إلى فرنسا، عام 1665.‏‏

وفن الكاريكاتير فن قديم، كان معروفاً عند المصريين القدماء، والآشوريين، واليونانيين، فأقدم صور ومشاهد كاريكاتيرية، حفظها التاريخ، تلك التي حرص المصري القديم على تسجيلها، على قطع من الفخار والأحجار الصلبة، وتشمل رسوماً لحيوانات مختلفة، أُبرزت بشكل ساخر اضطلع برسمها العاملون في تشييد مقابر وادي الملوك، بدير المدينة، في عصور الرعامسة، ويرجع تاريخها إلى عام 1250 قبل الميلاد.‏‏

ولا تُعرف الغاية، التي توخاها الفنان المصري من هذه الرسومات؛ فلعلها كانت إشارة غير صريحة، إلى العلاقة غير المتوازنة، بين الحاكم والمحكوم، التي كانت سائدة في تلك الفترة، جسّدها النحاتون في أسلوب ساخر، خفي المعنى.‏‏

وجديرُ بالذكر، أن فن الكاريكاتير، كان شائعاً عند اليونانيين، الذين ذكروا أن مصوراً يونانياً، يدعى بوزون، صوّر بعض المشهورين من أهل زمانه، في شكل يدعو إلى السخرية، الأمر الذي أدى إلى عقابه غير مرة، من دون أن يرتدع.‏‏

وذكر بلنيوس المؤرخ، أن بوبالوس وأتنيس، وهما من أشهر مثّالي اليونان، صنعا تمثالاً للشاعر الدميم ايبوناكس، وكان التمثال أشد دمامة، إلى درجة أنه كان يثير ضحك كل من كان ينظر إليه؛ فاغتاظ الشاعر منهما، وهجاهما بقصيدة لاذعة، لم يحتملاها، فانتحرا.‏‏

وقد ازدهر فن الكاريكاتير في إيطاليا، فأبدع الفنانون الإيطاليون كثيراً من الأعمال الفنية، ومن أشهرهم تيتيانوس (1477-1576)،الذي عمد إلى مسخ بعض الصور القديمة المشهورة، بإعادة تصويرها بأشكال مضحكة.‏‏

الكاركاتير في العالم العربي:‏‏

مما لا شك فيه أن فن الكاريكاتير العربي هو فن متناسل من واحة التعلم المستعار وماكينة الانتقال بعدوى التفاعل المهني والبصري مع ثقافة وفنون الآخر في الضفة الإنسانية الموازية والمقابلة المتمثلة بالمجتمعات الغربية والأوروبية خصوصاً، ميدانه وحاضنته الدائمة الصحافة المقروءة في بداية الأمر والمرئية التلفزيونية والإلكترونية في المرحلة الحالية، كان يسعى أصحاب القرار في مهنة الصحافة إلى ابتكار مساحات بصرية وطرق مسلية وترفيهية ومروجة لبضاعتهم، وتحقق لصحيفتهم مزيداً من القراء عبر زوايا محمولة بالمتعة البصرية "الكاريكاتير" يرسمها فنانون محترفون في سياق حالة معبرة وموازية لمقولات السرد الشعبي "النكتة" المحكية في مواقف ورسوم هزلية غايتها الأولى والنهائية التسلية وإضحاك جمهور القراءة.‏‏

وقد كانت الصحافة المصرية سباقة في هذا الاتجاه وشغلت مثل هذه الرسوم الطيف الواسع في الصحف والمجلات الدورية كافة ، وماثلها في هذا كل من سورية ولبنان. تغلغل هذا الفن بين الجماهير والمثقفين كأنهم يبحثون عمن ينفس عنهم في حالات الضعف والوهن، وتعمدت به وسائل الإعلام الرئيسة وفي مقدمتها الصحافة بأنواعها وأشكالها، وفتحت نوافذها للنقد الشجاع والبناء ، وتسابقت معها صفحات المواقع الالكترونية ومنتديات الانترنيت المتنوعة.‏‏

نجح هذا الفن في أن يغرس أصابعه في المجتمع، والتفكير البشري وكل مظاهر الحياة حتى البيروقراطية والرتيبة منها، وأن يواجه مظاهر الفساد، والمصالح الأنانية الخاصة ولقد لعب هذا الفن عند العرب دوراً هاماً بعد النكبة الفلسطينية والتشرد عام 1948، وتعزز دوره مع احتدام الصراع ضد الإمبريالية الغربية والحركة الصهيونية والرجعية العربية،معبراً بصراحة عن حالة الإحباط التي انتابت الجماهير العربية جراء الهزائم السياسية والعسكرية المتتالية التي لحقت بالجيوش العربية آنذاك.‏‏

وانخرط الفنانون الفلسطينيون مع الفنانين العرب في معركة التحرر الوطني والاجتماعي والديمقراطي، فكان فن الكاريكاتير سلاحاً فكرياً وتحريضياً وتعبوياً للجماهير، وفي مقدمة الأسلحة الثقافية والتحريضية ضد الواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وشاركوا بلوحاتهم الساخرة في ميادين المعارك المختلفة، خصوصا في معركة التصدي للمشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، ولم يغفلوا في هذا الصراع دفاعهم عن مصالح الجماهير الشعبية وكل المسحوقين وفي مقدمتهم المرأة والعمال والمزارعين والطلاب وشملت إبداعاتهم كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية والإنسانية.‏‏

إن رسامي الكاريكاتير في العالم العربي شغلوا الناس والمثقفين في الآونة الأخيرة عبر سهامهم الإبداعية الحية التي صوبوها إلى السياسات المنحازة للعولمة المتوحشة والإمبريالية الأمريكية وإسرائيل ، والقوى الخانعة والرجعية ، وتراجع القوى السياسية القومية والديمقراطية، وعجزها عن إحداث عملية تغيير حقيقية في المجتمع العربي.‏‏

إن من أبرز رسامي الكاريكاتير الفنان الشهيد ناجي العلي الذي عبر عن الفقراء عبر طفله( حنظله الشقي) لم يكن محايداً بل نصيراً للفقراء والكادحين والمعذبين في الأرض ومعبراً ليس عن الضمير الفلسطيني فحسب بل عن الضمير العربي والإنساني فكان عالميا بجدارة .‏‏

فن الكاريكاتير العربي محمول على الدوام بدلالات ورموز وخلفيات فكرية متوالدة من قصص الأولين عبر حكايات ألف ليلة وليلة، وجعبة الجاحظ الثقافية وخيال الظل وسهرات الحكواتي ومعانقة لإشكاليات الواقع العربي المأزوم والمتسلط عليه الاستعمار والصهيونية والقهر الطبقي والعولمة والأمركة، وهو يتوقف على قدرة الفنانين العرب من رسامي الكاريكاتير على مواجهة أقدارهم وصراحتهم التي كلفت بعضهم حياتهم وحريتهم.‏‏

إن فنان الكاريكاتير هو إنسان صاحب موقف وقضية، قريب إلى قلب الجماهير يعبر عن آمالها وطموحاتها وما يفرحها، وما يحزنها، وإذا كان الفكر هو انعكاس للواقع والحياة، فإن الفن الإبداعي بأشكاله كافة هو انعكاس للواقع المتغير والعاصف، يفرض نفسه على وعي وتفكير المبدعين، ولا يمكن أن يكون فناً إبداعياً وإنسانياً إذا جافى الواقع أو تجاهل حركته وتناقضاته وإذا لم يعكسه بصدق وأمانة.‏‏

إن الكاميرا وآلة التصوير الفوتوغرافية تصور الواقع في حالة السكون النسبي دون إحساس وإبداع فاقدة للحركة والصراع مع أن الواقع متغير متحرك متبدل، والفن المبدع يعمل على تغيير الواقع فليس المهم أن نفسر العالم بل الأهم أن نعمل على تغييره لخدمة الإنسان.‏‏

ويعتبر البعد الإنساني والوطني والقومي لفن الكاريكاتير من مكونات الصحيفة اليومية العربية الأساسية ومن أبوابها المهمة حتى أمسى في بعضها بمثابة افتتاحية القراء المحببة، ومن خلاله يمكن رصد حركة البلد الاجتماعية والسياسية، ويكون بذلك قيمة بصرية مضافة لنبش ذاكرة الناس ومواقفهم من الحدث ويعكس حقيقة التوجه السياسي والإيديولوجي لهذه الدولة العربية أو تلك، وان كانت القضايا الكبرى الإنسانية في سياقها العالمي والمسائل القومية العربية مازالت تحتل مساحة معقولة من ابتكارات رسامي الكاريكاتير العرب، لكن الهم الوطني والخصوصية المحلية القطرية بدأت تحل مكان تلك القضايا الكبرى في محطات جغرافية وسياسية تشغل أقطار المعمورة كافة وتلبس رسوم الفنانين فيها دثار الهم الاجتماعي اليومي من متطلبات وأمان ورغبات، هذا الأمر جعل رسامي الكاريكاتير في كل قطر عربي في منافسة مع أقرانهم في ابتكار أدوات ومواضيع تعبير تمكنهم من الاحتفاظ بمكانتهم في فنهم وعملهم، مما أوقعهم في مصيدة اجترار المواضيع المطروقة والنقل غير المبرر لرسوم مأخوذة من مساحة الفن العالمي لاسيما تلك المتاحة في وقتنا الراهن عبر تكنولوجيا المعلومات وشبكات الانترنت على وجه التخصيص، ولا تخرج مواضيع وأساليب الفنانين عن المساحة الإيديولوجية الممنوحة وفق هيئة التحرير وسياسة المجلة أو الجريدة.‏‏

الكاتب: