الهجرات وأسبابها

العدد: 
14368
أحد, 2015/10/11
تشهد بلدان من الوطن العربي وبخاصة سورية والعراق نزيفاً بشرياً غير مسبوق يتمثل بالهجرة إلى أنحاء من العالم وبخاصة أوروبا العجوز

التي تبدو بحاجة إلى العنصر الشبابي لتجدد طاقتها وحيويتها. وسبق للعراق أن شهدت مثل هذه الهجرة حيث توزع شبابها وعائلاتها إثر الغزو الأمريكي لها من أقصى الشرق نيوزيلاندا إلى أقصى الغرب أوربا وأمريكا، لكن الهجرة الحالية مصحوبة بالأهوال والمخاطر والموت أضف إلى تشرد العائلات وفي المستقبل ضياع الهوية والتماهي في المجتمع الجديد. وقد بات من المكرور تبيان أسباب الهجرة من بحث عن الأمن ولقمة العيش وتأمين مستقبل الأولاد، فهل هي تغريبة جديدة مؤلمة وكارثية كما أشار الأستاذ محمد قجة في زاوية له على الفيسبوك؟ وكانت قد سبقها تغريبة بني هلال الذين خرجوا من نجد بعد قحط سنوات من الجوع ألم بالمنطقة. لكن تغريبة بني هلال كما تحدث ابن خلدون كانت غزوا وكارثة على الحضارة في البلاد التي مروا بها من الشام إلى تونس.‏‏

ولمراجعة العلم والتاريخ نعود إلى كتاب المفصل في تاريخ العرب والإسلام للمؤرخ الكبير د. جواد علي لنستعرض الأسباب المتعددة للهجرة، ونقرأ فيها واقعنا المأساوي.‏‏

1-يعيد بعض العلماء هجرة الساميين من جزيرة العرب إلى خارجها، إلى عامل الجفاف والتغير الذي وقع في جو جزيرة العرب ومنهم العالم الايطالي "كيتاني" فقد تصور بلاد العرب في الدورة الجليدية جنة، بقيت محافظة على بهجتها ونضارنها مدة طويلة وكانت سبباً في رسم تلك الصورة البديعة في مخيلة كتاب التوراة عن "جنة عدن". وجنة عدن المذكورة في العهد القديم هي هذه الجنة أي جزيرة العرب، غير أن الطبيعة قست عليها، فأبدلتها صحارى ورمالأ، حتى اضطر أصحابها إلى الارتحال عنها إلى أماكن تتوافر فيها ضروريات الحياة على الأقل فكانت الهجرات إلى العراق وبلاد الشام ومصر والمواطن السامية الأخرى.‏‏

وكانت هذه الهجرات كما يقول قوية وعنيفة بين سنة 2500 وسنة 1500 قبل الميلاد، فدخل الهكسوس أرض مصر، وهاجر العبرانيون إلى فلسطين، ثم ولي ذلك عدد من الهجرات.‏‏

ويرى "كيتاني" أن هذا التغير الذي طرأ على جو جزيرة العرب، إنما ظهر قبل ميلاد المسيح بنحو عشرة آلاف سنة، غير أن أثره لم يبرز ولم يؤثر تأثيراً محسوساً ملموساً إلا قبل ميلاد المسيح بنحو خمسة آلاف سنة. وعندئذ صار سكان بلاد العرب، وهم الساميون، ينزحون عنها أمواجاً، للبحث عن مواطن أخرى يتوفر فيها الخصب والخير وحياة أفضل, وقد تصور أودية جزيرة العرب، مثل وادي الحمض ووادي السرحان ووادي الرمة ووادي الدواسر، أنهاراً كانت ذات مياه غزيرة تنساب إليها من المرتفعات والجبال في الدهور الغابرة، أثرت فيها التغيرات الطبيعية المذكورة، فقلت من مياهها حتى جفت، فصارت أودية، لا تجري فيها المياه إلا أحياناً، إذ تسيل فيها السيول بعد هطول الأمطار. ويعتقد "كيتاني" أن الفيلة والحيوانات الضخمة التي يندر وجودها اليوم في بلاد العرب، كانت موجودة فيها بكثرة، ولا سيما في أرض "مدين". وكان الصيادون يخرجون لاصطيادها لأكل لحومها.وقد لاقت نظرية "كيتاني" هذه رواجاً بين عدد كبير من المستشرقين.‏‏

2- غير أن المستشرق "الويس موسل"، يرى أن هذه النظرية لا تستند إلى أسس تاريخية، ولا إلى أدلة علمية، وأن القائلين بها قد بالغوا فيها مبالغة كبيرة، إن البحوث الجيولوجية لا تدعمها فهي لم تطَل إلا مناطق محدودة ولم تفحص أكثر مناطق جزيرة العرب فحصاً علمياً فنياً، حتى الآن، فلا يصح الاعتماد على فرضيات، تبنى عليها آراء ثابتة.‏‏

يرجع "موسل" سبب الهجرات، وتحول الأراضي الخصبة إلى صحارى، إلى عاملين هما:‏‏

أ‌-ضعف الحكومات والحروب.‏‏

ب‌-تحول الطرق التجارية عنها.‏‏

فضعف الحكومات ينشأ عنه تزعم سادات القبائل وانشقاقهم على الحكومات المركزية، ونشوب الفتن والاضطرابات والفساد واشتعال نيران الحروب، وانصراف الحكومة والشعب عن الأعمال العمرانية، وتلف المزارع والمدن، وتوقف الأعمال التجارية وحصول الكساد، وانتشار الأمراض والمجاعة، والهجرة إلى مواطن أخرى يأمن فيها الإنسان على نفسه و أهله وماله. فخراب سدّ "مأرب" مثلاً لا يعود إلى فعل الجفاف الذي أثر على السدّ كما تصور ذلك "كيتاني"، بل يعود إلى عامل آخر لا صلة له بالجفاف، هو ضعف الحكومة في اليمن، وتزعم "الأقيال" و "الأذواء" فيها، وتدخل الحكومات الأخرى في شؤون الدولة العربية الجنوبية كالحبشة ، مما أدى إلى اضطراب الأمن في اليمن، وظهور ثورات داخلية وحروب، كالذي يظهر من الكتابات التي تعود إلى النصف الثاني من القرن للسادس للميلاد، فألهى ذلك الحكومة عن القيام بإصلاح السد، فتصدعت جوانبه، فحدث الانفجار، فخسرت منطقة واسعة من أرض اليمن مورد عيشها الأول، وهو الماء، ويبست المزارع التي كانت ترتوي منه، واضطرت القبائل وأهل القرى والمدن الواقعة فيها إلى الهجرة إلى مواطن جديدة.‏‏

الكاتب: