الهجرة في ذكراها المقدسة بين الماضي والحاضر

العدد: 
14368
أحد, 2015/10/11
حين الرسولُ دعا الصحابَ لهجرةٍ...هجروا المنامَ وزالت الزَّلاتُ

‏‏‏

قد هاجروا والعزُّ سارَ بركبِهم... والنصرُ والإعلاءُ والبركاتُ‏‏‏‏

لكننا في هجرةٍ من موطنٍ...حُزْنا الشَّقاءَ وجاءت الويلاتُ‏‏‏‏

لا يستوي هجرُ المساوئ والخِنا...مع هجر طُهرٍ زادَهُ الخيراتُ‏‏‏‏

في ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، ومع دخول عامنا الهجري الجديد؛ يعقد الفكر مقارنة بين تلك الهجرة العظيمة التي أشرقت الدنيا بشمسها، وهَدَت الكون بنورها، وبين هجرةٍ جديدةٍ اجتاحت عقول بعض أبناء وطني نتيجةً للظروف الراهنة فراحوا يتركون البلاد ويذهبون إلى أوروبا ظناً منهم أنهم على صواب.‏‏‏‏

ولقد ظهرت الهجرة في الرعيل الأول عندما ظهر الإسلام في مكة المكرمة وبدأ المشركون بإيذاء المسلمين واضطهادهم فرُغّب بالهجرة للنجاة من الإيذاء؛ وإحياءً لهذا الدين الحنيف، ولقد كان التوجيه القرآني مُشجعاً للمهاجرين ومُرَغِّباً لهم بعظيم الثواب، قال تعالى: { فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران:195].‏‏‏‏

وكذلك كان التوجيه النبوي حين لفتهم لتحرير نواياهم والإخلاص لله تعالى في هجرتهم فقال صلى الله عليه وسلم: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) رواه الشيخان.‏‏‏‏

ومعلوم أن بعض الصحابة الكرام في ذلك الحين عندما اشتد بهم تعذيب المشركين بمكة المكرمة هاجروا إلى الحبشة مؤتمرين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (إن بأرض الحبشةِ ملكاً لا يُظلم أحدٌ عنده، فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه).‏‏‏‏

ثم كانت الهجرة الكبرى والتي أذن الله تعالى فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم وأراه موضعها وهو المدينة المنورة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أُريت دار هجرتكم ذات نخل بين لأبتين فهاجر من هاجر قِبَلَ المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة) رواه البخاري.‏‏‏‏

وصارت الهجرة إلى المدينة المنوّرة مطلوبة من سائر الأنحاء الأخرى التي بلغها الإسلام تقوية للدولة إلى أن قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة المُكَرَّمة ودخول الناس في دين الله أفواجاً: ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونيةٌ؛ واذا استنفرتم فانفروا ) متفق عليه. وبقي معنى الهجرة في ديننا هو هجر ما نهى الله عنه. وبقيت الهجرة النبوية تاريخاً لأمتنا.‏‏‏‏

وأما الهجرة التي نشهدها في هذه الأيام فهي هجرة لا تحمل في معناها غير المُعاناة والتخلي عن الجذور، لم نقرأ أو نشهد منذ أربعة عشرة قرناً وحتى أيامنا هذه مصطلح " الهجرة من بلاد الشام " بل كانت الهجرة إليها، ولم يَدَعْ رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسبةً إلا وأوصى أصحابه أن يهاجروا إلى بلاد الشام، وأخبرهم أنها ستمر بمِحن وأن من يصبر من أهلها على شدَتها سينال أجر الرباط في سبيل الله وبيّن أنها مباركة فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (طُوبَى لِلشَّامِ فقال الأصحاب: لِأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا) رواه الترمذي.‏‏‏‏

الشام هي أرض النصر للمجاهد والقبر للطامع والمعاند، وبقدر ما يحبها المقاتل تحبه وبقدر ما يتشبث بها تحضنه أماً حنوناً تدرأ عنه ويدرأ عنها. فهي خير أرض تحوي خير خلق.‏‏‏‏

وقال صلى الله عليه وسلم وهو يوصي أصحابه: (ستجندون أجناداً؛ جنداً بالشام وجنداً باليمن؛ وجنداً بالعراق؛ فقال الحوالي: يا رسول الله اختر لي؛ قال: عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه؛ يجتبي إليها حزبه من عباده؛ ... فإن الله قد تكفَّل لي بالشام وأهلِه) رواه الإمام أحمد.‏‏‏‏

لماذا الهجرة من الشام؟ أما علم الناس أن الشام قلعة الأمن والإيمان إذا تكالبت الأمم وكثرت المؤامرات؛ وأن الشام هي روح العروبة والإسلام في الماضي والحاضر والمستقبل؛ في جنبات جوها تتردد صيحاتُ النصر، وفي ذرات ترابها عبق دماء الشهداء؛ وفي كل زاويةٍ من زواياها ضريح صحابيٍ مجاهدٍ؛ ذكر صاحب تاريخ دمشق عن الوليد بن مسلم قال: (دَخَلتِ الشامَ عَشَرةُ آلاف عينٍ رأت رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم).‏‏‏‏

الأمر في سوريتنا في شامنا مختلف الشام هي قاعدة الإسلام في كل وقت وفي كل حين، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إني رأيت عمود الكتاب اُنتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عُمِد به إلى الشام ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام) أخرجه الحاكم وأبو نعيم في الحلية والإمام أحمد وآخرون وهو حديث صحيح.‏‏‏‏

كيف يهاجر من الشام من هاجر تاركاً كل هذه البركة والفضل إلى بلادٍ جعلت لاستقباله شرطاً أساسياً هو أن يتخلى عن مثله وقيمه وعاداته وتقاليده ويوقِّعَ عقد الاندماج في مجتمعها، وكثيرة هي القصص التي سمعناها وقرأناها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي تُبيّن مكر الغرب بالشام وأهلِها.‏‏‏‏

سيبقى الشام الشريف، سوريتنا الحبيبة قدسُ الأقداس عندنا؛ ستبقى تحوي أمةً مؤمنة تفضحُ الخائنين والمتنازلين عن حقوق شعوبهم من الأعراب؛ بل إن الإرباك في تحركاتهم، والإرهاق الواضح الذي يعانونه في تنفيذ جرائمهم من دعمٍ للإرهاب والإرهابيين التكفيريين إنما سببه ثبات هذه الأمة قيادةً وجيشاً وشعباً ولا يخفى على أحد كيف أن دول العالم تنظر بدهشة وتتساءل كيف يستطيع قائدٌ شجاعٌ وشعبٌ صغير محدود العدد أن يكون مفتاحاً أساسياً من مفاتيح التاريخ.‏‏‏‏

إن من لا يعرف سورية يجهلها، سورية كانت ومازالت وستبقى بإذن الله قلعة الثبات والإيمان ... قاعدة العروبة والإسلام... موطن الكرامة والنصر ... وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم؛ لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة) وفي رواية معاذ بن جبل رضي الله عنه (وهم بالشام) البخاري، والترمذي.‏‏‏‏

فلا تَصهينُ من ضلوا بضائرنا... ولا التآمرُ يغرينا بما يعدُ‏‏‏‏

أمانة الله في أعناق أمتنا... أن ننقذ الكون ممن فيه قد فسدوا‏‏‏‏

أمانة ما سوانا أهلها أبداً ... والجاحدون بها مهما عَلوا زبدُ‏‏‏‏

اللهم نسألك في ذكرى الهجرة التي نستقبل فيها عاماً هجرياً جديداً أن تُعيد للشام أمنها وأمانها، وألقها واطمئنانها، نسألك أن تكرم سوريتنا بالنصر المؤزّر شعباً وجيشاً وقيادةً يا أكرم مسؤول.‏‏‏‏

الكاتب: 
ربيع حسن كوكة