جروح بلا مراهم

العدد: 
14378
أربعاء, 2015/10/21
يشهد اليوم القسم الشرقي من الوطن العربي مخاضاً دموياً عسيراً، وقد أصبح من نافلة القول أن نتحدث عن أسبابه ومسببيه، فمنذ الحرب في أفغانستان،

‏‏

وكانت نقطة البدء في القرن 21 وإلى الغزو المبرمج للعراق وسورية واليمن يكمن وراء كل ذلك غاز واحد هو : الملك الأكبر" أو كما يسمونه أيضاً " الشيطان الأكبر" الذي يفجر الصراعات مع حلفائه ومجموعة من الملوك الصغار التابعين له، وقد لخص إيديولوجيا هذا الصراع هينتغتون في كتابه "صراع الحضارات" وأكد فوكوياما جازماً بأن التاريخ البشري انتهى بسيطرة أمريكا ونظمها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية على العالم ولا تاريخ بعده للبشرية! كما تحدثت بيانات وخطب الساسة الغربيين عن حرب صليبية جديدة تقودها أمريكا. وجملة هؤلاء الذين ينتجون الدم والشرور عناهم القرآن الكريم بالآية: " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون" .‏‏‏

لكن أبشع أنواع الداء هو الذي يصيب الجسم والوطن والبلاد بمؤثرين:‏‏‏

1-مؤثر خارجي هو الجرثومة أو العدوى والأطماع الخارجية.‏‏‏

2-ومؤثر داخلي يتلخص في استعداد الجسم نفسه أو البلد نفسه لنقل المؤثر الدائي الخارجي ليتيح له الاستيطان فيفتك بالجسم وذلك لضعف في بنيته، وتفككه، وانشغاله بالصراعات الداخلية أو المحيطة، والفساد الذي ينخر اللحم والعظم.‏‏‏

ولست في مجال استعراض هذا الواقع المؤلم الذي فرض على الأمة، ونعيشه اليوم مع رغيف الخبز، وفقدان الكهرباء والماء، وانقطاع موارد الرزق، والغلاء الجنوني في الأسعار، ولكنني سأطالع أوراقاً من التاريخ لعل في قراءتها يكون لنا عِبرة.‏‏‏

-ماقبل الميلاد غزا نارام سن (2260-2223) ملك أكاد سورية الشمالية فدمر الحضارات وارتكب المجازر ودمر المدن وأحرقها، ومن المدن التي أشعل فيها النيران أرمان(=حلب) وإيبلا.‏‏‏

-وفي العصر الوسيط غزا ملوك الفرنجة (الصليبيون) سورية ومصر وأنشؤوا الممالك فيها، واحتلوا القدس وارتكبوا مجازر يشيب لها الولدان، وكانت الخلافة في بغداد ضعيفة والبلاد مجزأة، إلى أن أتيح لها من يوحدها ويحقق الانتصارات على يد نور الدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي.‏‏‏

-ثم غزا المغول بقيادة هولاكو العراق وسورية وارتكبوا أبشع المجازر وألقوا بمكتبات بغداد العامرة في نهر دجلة حتى جرى ماؤه أسود كما يقال.‏‏‏

-وننتقل إلى اليمن التي كانت عصية وبعيدة عن هذه الغزوات الخارجية فكان أن نخرها الغزو الداخلي وصراعات الممالك فيها.‏‏‏

-يعدّ "كرب ايل وتر" في القرن السابع قبل الميلاد خاتمة المكرببن (كان ملك سبأ يلقب مكرب أو مقرب أي المقرب من الآلهة) ثم غير لقبه إلى ملك فكان فاتحة الملوك في سبأ. افتتح حكمه وهو "مكرب" على سبأ في توسيع الحروب، وإضافة أراضي جديدة إلى سبأ، زادت في رقعتها وفي مساحة حكومة السبئيين، ولكنها أنزلت خسائر فادحة بالأرواح، وأهلكت الزرع والضرع والناس في العربية الجنوبية. وكانت عاصمة سبأ في اليمن مدينة صرواح قبل أن تصبح مدينة مأرب التي تتلقى اليوم قذائف التحالف المدمر.‏‏‏

- وفي نص له يتحدث عن حروبه وانتصاراته، فيشير إلى إنه غلب "سادم" و "نقبتم" ، وأحرق جميع مدن "معفرن" و"المعافر"، و قهر "ضبر" و "ضلم" و "أروى" وأحرق مدنهم، وأوقع فيهم فقتل ثلاثة آلاف، وأسر ثمانية آلاف، وضاعف الجزية التي كانوا يدفعونها سابقاً، وفي جملتها البقر والماعز، ثم يعدد باقي المدن التي فتحها وهي كثيرة فدمرها وأحرقها وقتل واستعبد أهلها، ودائماً يعزو الفضل لتأييد آلهته "المقة" و "عثتر" وغيرهما له.‏‏‏

-ويذكر "كرب ايل وتر" أنه ضرب "وسر" ضربة نكراء و استولى على كل مناطقها إلى أن بلغ أرض "أوسان" في أيام ملكها "مرتم" فأمر جنوده بأن يعملوا في شعبها أوسان السيف، واستذل رؤساءها، وجعلهم رقيقاً للآلهة "سمهت" و قرابين لها، وقرر أن يكون مصير ذلك الشعب الموت والأسر والاستعباد. ثم يتحدث عن "كحد سوطم" وكيف أوقع فيهم خمسمئة قتيل في معركة واحدة، وأخذ منهم ألف طفل أسير ما عدا الغنائم العظيمة والأموال النفيسة الغالية وعدداً كبيراً من الماشية وقع في أيدي السبئيين.‏‏‏

-لقد أضرت حروب "كرب أيل وتر" المذكور ضرراً فادحاً بالعربية الجنوبية فقد أحرق أكثر الأماكن التي استولى عليها، و أمر بقتل من وقع في أيدي جيشه من المحاربين، ثم أمر بإعمال السيف في رقاب سكان المدن والقرى المستسلمة فأهلك خلقاً كثيراً. ونجد سياسة القتل والإحراق هذه عند غير "كرب أيل" أيضاً، وهي سياسة أدت إلى تدهور الحال في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية، وإلى اندثار كثير من المواضع بسبب هلاك أصحابها،وتتالت الكوارث فيما بعد إلى أن انتهت بخراب السدود المائية وانهيار سد مأرب العظيم.‏‏‏

-لخص زهير ابن أبي سلمى الحرب وآفاتها وويلاتها في قصيدته الشهيرة محذراً من عودة الحرب بين عبس وذبيان التي امتدت 40 عاماً، وكأنه يقول: إنها تفتح في الجسم جروحاً لا مراهم لها، يقول:‏‏‏

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجّــم‏‏‏

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضر إذا ضرَّيتموها فتضرم‏‏‏

فتعرككم عرك الرحى بثفالها وتلقح كشافاً، ثم تنتج فتتئم‏‏‏

الكاتب: