امرؤ القيس الأول والثاني والروم

العدد: 
14385
أربعاء, 2015/10/28
ننظر إلى الحروب المشتعلة اليوم في بعض البلاد العربية، ولم يعد خافياً علينا القائمون بها والمسببون والداعمون بالمال والسلاح، ثم نتساءل ما الذي تغيَّر اليوم عن الأمس؟

ملوك الجزيرة العربية يطلبون العون من الأجنبي ليهاجموا أبناء جلدتهم العرب. وهاهي قصتان تاريخيتان عن ملكين كلاهما يدعى امرؤ القيس وعن علاقتهما بالروم.‏‏

امرؤ القيس الأول‏‏

يذكر المؤرخون أن من سادات القبائل الذين انتقلوا من أرض كانت خاضعة للساسانيين إلى أرض كانت تابعة للبيزنطيين سيد قبيلة نخليان ويدعى امرؤ القيس وكان يقيم في الأصل في أراض خاضعة لسلطان الفرس في النخيلة قرب الكوفة وكانت علاقته بالفرس جيدة ثم ارتحل عنها و نزل في أراض قريبة من الحدود وأخذ يغزو منها الساسانيين والعرب المقيمين في الأراضي الخاضعة للروم ثم ارتحل عنها إلى دومة الجندل مع قبيلته، وتوغل في "المقاطعة العربية" حتى بلغ البحر الأحمر، واستولى على جزيرة "ايوتابا"، وهي جزيرة مهمة كان الروم قد اتخذوها مركزاً لجمع الضرائب من المراكب الآتية من المناطق الحارة أو الذاهبة إليها، فتصيب الحكومة أرباحاً عظيمة جداً. فلما استولى على تلك الجزيرة، طرد الجباة الروم، و صار يجبيها لنفسه، فأغتني. كما حصل على ثروة عظيمة من غنائم غزوه للمواضع المجاورة لهذه الجزيرة و الواقعة في الجزيرة العربية وأعالي الحجاز و جنوبي فلسطين الأراضي الخاضعة لسلطان الساسانيين.‏‏

و أراد "امرؤ القيس"، بعد أن بلغ من السلطان مبلغه، الاتصال بالروم، والتحالف معهم، و الاعتراف، به عاملاً رسميا لهم على العرب الذين خضعوا له وعلى العرب المعترفين بسلطان الروم عليهم في "المقاطعة العربية"، فأوفد رجلاً من رجال الدين اسمه "بطرس" إلى "القسطنطينية" يعرض رغبته هذه على القيصر "ليو". فلما قابل هذا رجال البلاط، أظهر لهم أنه يريد الدخول في النصرانية. فأظهر القيصر "ليو" رغبته في مقابلة "امرئ القيس" للتحادث معه. فقصده "امرؤ القيس"، فاستقبله استقبالاً حسناً، وعاملة معاملة طيبة، و أجلسه على مائدته، و منحه لقب بطريق، وقد أدى ذلك إلى استياء الروم من سياسة القيصر هذه مع رجل مشرك.‏‏

و لكنه بيّن لهم أنه يريد تنصيره بذلك، و لما قرر العودة أعطاه القيصر صورة ثمينة وهدايا نفيسة، و حث رجال مجلس الدولة يمنحوه هدايا سخية، ثم منحه درجة "عامل" phylarch على الجزيرة والأراضي الأخرى التي أخذها. ولما كان القيصر "ليو" قد حكم من سنة "457 م" حتى سنة "474 م"، فيكون اعترافه بحكم "امرىء القيس"، قد وقع في هذه المدة. و يقول المؤرخ ثيوفانس إن جزيرة أيوتوبيا في البحر الأحمر (القلزم) كانت في سنة "490 م" في أيدي الروم، استولى عليها حاكمهم Dux على فلسطين بعد قتال شديد. وهذا يعني أن الروم انتزعوا هذه الجزيرة من "امرئ القيس" أو من خلفائه بعد مدة ليست طويلة من استيلائه عليها، ولعلهم استولوا عليها بعد وفاة هذا العامل على أثر نزاع نشب بين أولاده وورثته، أضعف مركز الإمارة، فانتهز الروم هذه الفرصة، وانتزعوا ما تمكنوا من انتزاعه من أملاك.‏‏

امرؤ القيس الثاني‏‏

امرؤ القيس بن حُجر بن الحارث الكندي (520 م - 565 م) كان شاعراً عربياً جاهلياً عالي الطبقة من قبيلة كندة، يُعد رأس شعراء العرب يُعرف باسم "الملك الضليل" و" ذي القروح". وكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح وشرب الخمر.‏‏

كان لمقتل والده حجر ملك كندة على يد بني أسد بعد أن تحملوا ظلمه كثيراً أعظم الأثر على حياته أشعره بعظم المسؤولية الواقعة على عاتقه. رغم أنه لم يكن أكبر أبناء أبيه, إلا أنه هو من أخذ بزمام الأمور وعزم الانتقام من قتلة أبيه ويروى أنه قال بعد فراغه من اللهو ليلة مقتل أبيه على يد بني أسد: ضيعني صغيراً, وحملني دمه كبيراً. اليوم خمر وغداً أمر. ثم أنشد شعراً وهو في دمون (واد في شرق اليمن) قال فيه:‏‏

تطاول الليل علينا دمون دمون إنا معشر يمانون‏‏

وإنا لأهلنا محبون‏‏

ولبس رداء الحرب في اليوم التالي واتجه صوب بني أسد فخافوا منه وحاولوا استرضاءه إلا أنه لم يرض وقاتلهم حتى أثخن فيهم الجراح. طوف امرؤ في معظم أرجاء ديار العرب وزار كثيرا من مواقع القبائل ثم جمع قبائل يمنية وهاجم بني أسد فأثخن فيهم القتل.‏‏

قصد القسطنطينية ليطلب العون من ملك الروم، وقد وصف الطريق في قصيدة له قائلاً:‏‏

فلما بدا حوران والآل دونه نظرتَ فلم تنظر بعينيك منظرا‏‏

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لا حقان بقيصرا‏‏

فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا‏‏

ويبدو أنه لم يفلح في مسعاه مع القيصر ورجع خائباً، وفي طريق العودة تفشى الجدري في جسمه، ولقي حتفه هناك في حوالي سنة 540م، وقبره يقع الآن في تلة هيديرليك أو جبل عسيب بأنقرة وحين وفاته رأى قبراً هناك فقال راثياً نفسه:‏‏

أجارتنا إن المزار قريبوإني مقيم ما أقام عسيب‏‏

أجارتنا إنا غريبان هاهناوكل غريب للغريب نسيب‏‏

الكاتب: