الزيوت والسمون

العدد: 
14386
خميس, 2015/10/29

حين تتجول في أسواق حلب وبراكاتها وبسطاتها المنتشرة والمبعثرة في أنحاء متناثرة في المدينة فإنك ترى الكم الكبير من أنواع الزيوت والسمون منها البلدي وأغلبها المستورد منها الطبيعي والمغشوش .‏

وفيها النباتي المصدر والصناعي والحيواني وأغلبها مخلوط بنسب متفاوتة .‏

ومما هو حري بالذكر، أن أجهزة الرقابة والمحاسبة والتوجيه والإرشاد عليها وعلى بقية السلع السلع الغذائية تكاد تكون معدومة ، فدوريات حماية المستهلك التابعة لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك وهي الجهة المعنية بالموضوع في الدرجة الأولى قليلة العدد ، إذا أخذنا الأمر على حسن النوايا والعينات التي تأخذها للتحليل معدودة على أصابع اليد في اليوم الواحد .‏

ولاتثريب علينا ، إذا قلنا أن جمعية حماية المستهلك بحلب والتابعة وصائياً لوزارة الشؤون الاجتماعية قد أصبحت اليوم أثراً بعد عين .‏

وأغلبنا لايعرف مصدر البضاعة ولا مصنعها ولا تاريخ انتهاء صلاحيتها إلا فيما ندر والمحلية منها لا نعلم شيئاً عن مصانعها وأماكن تعبئتها وتعليبها حتى يمكن للمختصين والمهتمين بالأمر مراقبتها ونحن نعلم أن البعض يقوم بتذويب الشحوم والدهون المهدرجة وغير المهدرجة وخلطها مع السمون كما تخلط بزيت الزيتون زيوت الذرة وفول الصويا وعباد الشمس وأنواع أخرى من زيت جوز الهند مع عبوات زيوت الإعانة والإغاثة الواردة إلينا من منظمة الصحة العالمية أو الصليب الأحمر والهلال الأحمر وبرنامج الغذاء العالمي ونحوه والتي توزع مجاناً .‏

لقد صدرت قوانين مختلفة في الآونة الأخيرة ، بحيث دمجت قوانين التموين والتسعير رقم /123/ لعام 1961 مع قانون قمع الغش والتدليس رقم / 158/ لعام 1961 وتوزعت الاختصاصات القضائية بين المحاكم المدنية والمحاكم العسكرية .‏

وغلظت بعض العقوبات ونعتقد أن الغش بقي على حاله وهل كان الردع غير مجد لتاريخه ونرى أن التنفيذ العلني ومراقبة غرف التجارة والصناعة والزراعة والسياحة والجمعيات الحرفية الغذائية كافة والنقابات العمالية بالاشتراك مع المسؤولين التنفيذيين هي التي تعطي أفضل النتائج العملية .‏

ولنعد مئة عام إلى الوراء حيث الحرب الكونية الأولى والظروف مشابهة لما نحن عليه الآن ، وحتى لايتعلل البعض بالأعذار الواهية فقد جاء في كتاب للأستاذ شاكر الحنبلي وهو مدرس في معهد الحقوق ـ الجامعة السورية بدمشق الصفحة /101/ من الجزء الثاني من كتاب الحقوق الإدارية ما مفاده :‏

إن الحكومة آنذاك وضعت قبل أربع عشرة سنة قانوناً من مقتضاه أن يلصق على أوعية السمن ( وكانت هناك الظروف المعدة لتخزين السمن والتي يبلغ وزنها أكثر من عشرين رطلاً والمعروضة للبيع ورقة مكتوب فيها منشأ السمن ونوعه وتركيبه منعاً للغش وحفظاً للصحة .‏

وقد جاء في المادة /16/ من ذلك القانون :‏

(إن الذين لايضعون علامة على المصنوعات والمعمولات التي أمرت نظارة التجارة بوضع علامة عليها ، والذين يبيعون ويعرضون للبيع هذه المصنوعات والمعمولات من غير أن يكون عليها علامتها الفارقة ، يغرمون جزاء نقدياً من ليرة إلى عشرة ليرات أو يسجنون من أربع وعشرين ساعة إلى أسبوع أو يعاقبون بالغرامة والسجن ) .‏

فتأملوا يارعاكم الله وهذا ما جاء في أمر العلامة الفارقة فما قولنا إذا ثبت الغش بشكل يقيني عن طريق تحليل العينة في المخبر أصولاً .‏

ويتابع الأستاذ حنبلي فيقول :‏

وقد سألت بعض التجار وبعض الراسخين في العلم عن هذا الأمر فأجبت أن الحكومة كانت قبل الحرب تعاقب من كان يغش السمن بضبط جميع ماعنده منه وإتلافه أمام عينيه وعلى مرأى سائر التجار تأديباً له وعبرة لهم .‏

وقد جرى ذلك بالفعل في سوق البزورية في دمشق مرات متعددة . حيث مزج السمن المغشوش بالرمل والقطران وأحرق أو أفرغ في نهر بردى بعد إذابته وجميع تجارنا يعلمون هذا .‏

فهل يوجد أشد من هذا العقاب وأعظم من هذا القصاص ( انتهى) .‏

ونحن نقول : إذا كان الأمر على هذه الخطورة منذ قرن إضافة إلى أن اليوم هناك عشرات الطرق للغش لتطور الوسائل بشكل كبير ومنظم إذن الموضوع ليس بالمحصلة مسألة نصوص قانونية بل مسألة نية وجدية في التنفيذ وقناعة في الربح ورأي عام يرجع إليه وهو الحكم في نشر العقوبات وفاعلية في جمعية حماية المستهلك الأهلية وبحيث يكون لها دور بارز في الموضوع .‏

إننا نذكر هذه النصوص لنقول : إننا بدأنا نكشف الغش بأنفسنا عن طريق لون وطعم الزيوت أو السمون أو عن طريق رائحتها سواء حين العرض والشراء أو حين الطهي والقلي أو حين تناول الطعام .‏

وأن التحاليل في المخابر بعد أخذ العينات في الشروط المناسبة والحفظ الأصولي ما هو إلا تأكيد الشيء المؤكد وإن العبرة بالخواتيم وهي التنفيذ فإن النفاذ السريع هو الذي يطمئن القلوب ويسكت الألسن .‏

إن مراقبة الأسواق ليست عملية استعراضية بل هي عمل دؤوب لحماية صحة المواطن التي هي أغلى شيء لدينا والحفاظ على أمواله التي لايحصل عليها إلا بشق الأنفس .‏

ولنا ملء الأمل بأن تجارنا الأكارم وصناعيينا الأفاضل سوف لا يألون جهداً في سلوك الطريق القويم بعد أن علموا الشيء الكثير عن أهمية هذه الأيام في حياة سورية المستقبل وهم يرددون قول النبي عليه الصلاة والسلام ( من غش ليس منا) ونباهة القارئ كفاية لمن أراد الهداية .‏

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي