الحياة الطيبة أخلاق وقيم

سعادتنا بطيب العيش لينا...بأخلاقٍ حِسانٍ قد رضينا

وكان البؤس ذُلّاً إذ بَعُدنا...وروحَ الخيرِ هجراناً نسينا‏‏

إِذا خانَ الكرام رضيعُ غدرٍ...وَسار الناس خلف النَائحينَ‏‏

فأين سعادة الدنيا بذلٍّ...وشرٍّ ناشبُ الأظفارِ فينا‏‏

كنت أبحث في واقعنا الذي نحياه عن مصطلحٍ كان الناس يستخدمونه قُبيل الأزمة التي عصفت بوطننا إنه مُصطلح " الحياة الطيبة".‏‏

لا زالت الحياة حياة تعب وشدة وطلب للعيش والرزق؛ قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ}[البلد:4] وتنتشر في هذه الحياة الفوضى الحسية والمعنوية، ويعم كثيراً من سكان الأرض الابتلاءات من الخوف والجوع والفقر والمرض، فلا نجد شعباً آمناً من اعتداء شعبٍ آخر، ولا دولةً آمنة من اعتداء دولة أخرى، ولا نجد شعباً ولا دولةً يأمن فيها الناس من الظلمِ والجورِ والإجرامِ، بل إننا لنجد الجرائم تتصاعد عبر الزمان كلما تقدم الناس في الاكتشافات العلمية.‏‏

كثيرون هم من يموتون في عالمنا جوعاً لشدة الفقر، وبمقابلهم كثير من يموتُ من الشبع والتُّخمة؛ كثيرون هم في عالمنا من لا يجدون ما يستر أجسادهم ويقيهم حرَّ الصيف أو برد الشتاء؛ وبمقابلهم كثير من يختارون العُري سلوكاً مع قدرتهم على ارتداء أبهظ الملابس.‏‏

نحن وبعد مضي حوالي خمسة أعوام على تكالب الأمم على وطننا أدركنا أن الحياة الطيبة ليست هي الحياة التي تتوافر فيها أنواع المتع المادية من مأكل ومشرب ومركب وملبس، وصناعة وزراعة واختراعات فحسب، وإنما هي الحياة الآمنة التي تطمئن فيها القلوب، ويأمن فيها الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ينتشر فيها العدل، ويقلُ فيها الظلم، وتظهر فيها الأخلاق الفاضلة كمُسيّر أساسي لضمير الأمة، وهذا لا يكون إلا من خلال السير على الهدي الإلهي، فحين ما تَنَكَّبَ الناسُ ذلك الهدي نشب فيهم البلاء وظهر من يشوّه ذلك الهدي بهواه وتبعيّته للأعداء .‏‏

ومن الآيات التي جمعت بين إثبات السعادة لمن اتبع هدى الله في الدنيا والآخرة، وإثبات الشقاء والضنك والخسران لمن بَعُدَ عن هدى الله وحاربه، قول الله سبحانه لآدم وحواء عليهما السلام بعد خداع الشيطان لهما:{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَن اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يضِلُّ وَ لَا يَشْقَى* وَمَن أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى*قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 123-126].‏‏

فمن اتبع سبيل الهدى ينتفي عنه الضلال والشقاء؛ ومن أعرض عنه تثبت له المعيشة النكدة الضيقة والضلال الكبير الذي عبرت عنه الآية بالعمى، ثم أكد تعالى شقاء من لم يهتد بهدى الله في الدنيا بالحياة الضنك، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فقال: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}[طه: 127] .‏‏

وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا كيف أن الله تعالى ينزل ألواناً من الشقاء، على الأمم التي تحارب منهجه وتصد عن هداه.‏‏

فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد.) رواه البخاري.‏‏

فالجهل شقاء وانتهاك الأعراض شقاء، وارتكاب ما يفسد العقول شقاء، وإذا فسدت العقول وانتهكت الأعراض، وفشا الجهل، فسدت الحياة كلها! وأي حياة تكون مع هذه الصفات إلا حياة الضنك والضيق التي بينها القرآن الكريم؟.‏‏

وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يتقارب الزمان، ويلقى الشح، ويكثر الهرج) رواه البخاري.‏‏

إن المُستقرئ لحياة الأمم سيجده شاهد صدق على أن الأمة المتمسكة بهدى الله تبارك وتعالى المطبقة للأخلاق الفاضلة في تعاملاتها، هي التي تحوز قصب السبق في العزة والتمكين والسعادة والطمأنينة في هذه الحياة، وأن الأمة الرافضة لهذا الهدى البعيدة عن اتباع منهجه الأخلاقي، هي التي تُمْنى بحياة الذل والشقاء والاضطراب والخوف والقلق، مهما أوتيت من ثراء وقوة.‏‏

وهذا ما نشاهده في هذا القرن الذي نعيش فيه: القرن الذي مات فيه من البشر الكثير وتكالبت الأمم والبلاد على وطننا الحبيب سورية، حيث ورغم كل الضغوطات الهائلة لا يزال شعبنا العظيم متمسكاً بثوابته الدينية والأخلاقية يسير نحو نهاية الأزمة بعزمٍ وإيمان بالله تعالى.‏‏

إن توجيه الناس لتمثُّل الأخلاق الفاضلة والقيم الثابتة كما جاء بها الرسل والأنبياء في سائر الأديان، هي التي تحقق الحياة الطيبة؛ هي التي تحقق السعادة للفرد والأسرة والمجتمع معاً، فلا ظلم ولا عدوان مع الأخلاق الفاضلة في الحياة.‏‏

أما من تخلى عن ذلك الهُدى وتلكَ الثوابت فقد ضلَّ في الدنيا قبل الآخرة وخسر نفسه ووطنه وضيَّع قيمه وأخلاقه، نزع نفسه من جذورها وصار كورقة شجرٍ في مهب الرياح العاصفة.‏‏

الكاتب: