قراءة في كتاب (الثورات العربية بين العقل والعاطفة ) للدكتور نديم سراج الدين

العدد: 
14393
خميس, 2015/11/05

يقول الدكتور نديم سراج الدين في تقديم كتابه والذي تم نشر بعض من أبوابه كمقالات ولقاءات عبر سنوات عدة في صحيفة الجماهير :

 إن الأحداث المتسارعة والمضطربة التي تمر بها البلدان العربية بشكل عام ومنطقتنا بشكل خاص هي التي اضطرتنا للخوض في الأسباب الكامنة وراء كل ما يحصل في بلدنا من قتل وتدمير وخراب وصل حد الجنون، حيث أن التعمق في دراسة هذه الأسباب هو الذي سيقدم الحل الموضوعي والقابل للتطبيق على الواقع وذلك على أساس فهمنا الدقيق لطبيعة شعوبنا الشرقية وليس على أساس نظريات غربية جاهزة ومستوردة قام بها فلاسفة وأدباء وسياسيون غربيون لخدمة مجتمعاتهم وشعوبهم الخاصة وجلبها مثقفونا الذين نصفهم بالنخبة من البلدان التي درسوا فيها ليقدموها لشعوبنا على أنها الحل الوحيد لمشاكلنا دون مراعاة الفرق بين عقلية المجتمع الغربي وعقلية المجتمع الشرقي.

وبناء عليه فقد جمع الدكتور نديم سراج الدين في هذا كتابه الجديد مجموعة من الدراسات والمقالات المنتقاة بعناية عن مواضيع مختلفة منها السياسي ومنها الفلسفي لعلها تلقي ضوءاً على مجموعة من الأفكار والمفاهيم التي يجب التعمق في دراستها على أساس محلي وطني قادر على التحليل المنطقي لقضايا الشعوب المحلية ويستند على تجارب وأفكار الغرب ولكن لا ينصهر فيها. ولأن المواضيع ذات الطابع الفلسفي هي مواضيع صعبة ومجردة أصل ولم يعتد القارئ العربي على التبحر فيها وسبر أعماقها، لذا تم التبسيط قدر المستطاع في شرح الأفكار والمفاهيم الجديدة وتدعيمها بالأمثلة علاوة على الاستشهاد دائما بأقوال الفلاسفة العمالقة الذين عملوا على هذه المضامين لعلنا نستطيع أن نفهم معا أفكارهم بمفهومنا.

 بالإضافة إلى ذلك تعمد الدكتور نديم شرح معظم الأفكار بالرسومات والصور الفنية المبسطة تارة والعميقة تارة أُخرى كي يستطيع أي مهتم بالشأن السياسي أو الفلسفي لقط واستيعاب المراد منها وذلك باختلاف فهمه ووعيه السياسي.

وتبقى بالنهاية نظرية الطغيان الشرقي للكاتب الألماني الأمريكي " كارل فيت فوغل Karl Wittfogel " هي التي تناسب المجتمع الشرقي وفيها الرجوع إلى الطبيعة وقاعدتها الجغرافية وليس النظرية المجردة المنطقية العقلية التي اعتمدت عليها الثورات الفرنسية والشيوعية.

وفي التقديم لعنوان الكتاب "الثورات العربية بين العقل والعاطفة" والسؤال لماذا بين العقل والعاطفة؟ إن جذور فلسفة العقل المثالية تكمن في أفكار أفلاطون والتي تبعتها الفلسفة المثالية حيث المنطق والعقل السليم هما فقط من يديران العالم والتاريخ.

والفلسفة المثالية تظهر في أفكار الفلسفة المثاليين وعلى رأسهم فيشته، شيلينغ، كانت و خصوصاً هيغل الذي أعطى معادلة : "ما هو واقع هو معقول و ما هو معقول هو واقع" أي أن ما يحدث هو ناتج عن الأفكار كقاعدة لتعليل الأحداث و خصوصاً جملته المشهورة "تاريخ العالم هو محكمة العالم" ، أما مبدأ العاطفة -Emotion- فنعرّفه على أنه قابلية الإنسان بالإحساس والشعور الناعم لفهم والتقاط  ما يحدث في الواقع و هو منطق تجريبي ملموس و ليس منطقياً مجرداً.

فمنطق العاطفة يحدث بين فهم الملموس و فهم الإشارات والرموز وتظهر فعاليته في فهم الآنية - Situation- و التغلب عليها مما يؤدي إلى التصرف العفوي حسب الوضع الارتجالي غير المبالي بالنتائج أو بالمستقبل. فيكون أحيانا التصرف مبدعاً جديداً و أحيانا يكون خاطئاً كارثياً و هذا ما يحدث في الثورات العربية.

إن العقل يعمل على فهم و تحقيق وإن العقل كتوجيه عام أفقي ذو بعد طويل ظهرت أهميته عندما سُئل أفلاطون: لماذا العدالة ضرورية؟ فأجاب لأنها عقلانية عامة و خارجة عن المصلحة الفردية. أما العاطفة فهي الإحساس بالخطر الذي ينبع من عدم معرفة آليات عمل جهاز الأمن و عدم معرفة النتائج و التي كما نعرفها من التجارب تكون جدية أو حتى خطيرة و هذا ما يُنبت الخوف و الهرع لدى المواطن كونها مُبهمة وخارجة عن القانون و العرف.

و في طلبنا السياسي الذي يتجسد في إظهار هذه المؤسسات و إخراجها من القبو المُعتم الى الشرفة المضيئة كي تكون هذه القوة الخطيرة تحت المراقبة البرلمانية والذي هو في مصلحة الجميع لأننا نعلم أن السلطة غير المراقبة تكون شيطانية و غير عقلانية و تصب في ازدواج السلطة وهذا يعني دولة رسمية علنية و دولة داخلية سرية. و هذا لا ينحصر في البلاد العربية فحتى الفساد موجود في أجهزة الأمن الغربية( شيطانية القوة) لهذا ستكون نظرتنا الفلسفية للثورات العربية على مستويين 1 نظرة عامة، 2 - نظرة عميقة.

1-     النظرة العامة: و فيها تعريف ما هو التركيب الشكلي أو المنطق السياسي الذي يمكن وصفه بعلاقة العدو مع الصديق. ففي فهم هذه العلاقة يتضح محتوى الفلسفة السياسية و الدبلوماسية لأن تشابك الدين مع السياسة وصل الى مرحلة التحالف و تفاوت بين العداء و الصداقة "هذا ما حدث في أوروبا في عصر الانفتاح" و هنا يأتي دور الفلسفة لأنها الجسر لمعالجة ميكانيكية و حركة الدين و السياسة فقبل الانفتاح في أوروبا كانت الفلسفة خادمة لأهداف و حروب الدين أما بعد التنوير والذي معناه امتلك الإنسان الشجاعة الأدبية الكافية للتعبير عن أفكاره أوجدت الفلسفة نوع من التوازن بين أهل الحكم و أهل الدين.

2-     النظرة العميقة: هي معرفة طبيعة الإنسان و تصرفه النفسي والاجتماعي و تركيب لغته الخطابية و فهمه للقيم الإنسانية وهذا ما حاولنا معالجته في موضوع الحوار الذي يدخل مباشرة في وظيفة الابتسام والمرح والليونة في التعامل الدبلوماسي. بصورة عامة و بغض النظر عن نجاح أو عدم نجاح الثورات العربية فإن الإحساس الإنساني بالواقع السياسي و ضرورة التغيير والتصحيح هو قضية للوجود الإنساني ومصداقيته لأن الإحساس الإنساني أهم و أكبر من أن تكون ناجحاً أو غير ناجح في عملك السياسي و عدم النجاح لا يعني بالضرورة الوقوع في الخطأ ومثالية الإنسان و نيته الطيبة إذا لم تتحقق في الواقع لا يعني أنها غير صحيحة لأنها منبثقة من إحساس إنساني صادق وساذج و سذاجة الإحساس الإنساني بذاتها نوع من المصداقية.

يجب على الثورات بالرغم من نياتها الطيبة أن تكون واقعية و من هنا يكمن احترامي لشخص جمال عبد الناصر ليس فقط لأنه بطل قومي و عربي و إنما لكونه واقعياً و لتواضعه السياسي في شعاره الذي تبنّاه "اتحاد - نظام - عمل" فهذا أهم وأبسط بنظري للشعوب العربية من شعارات الثورة الفرنسية " الأخوة - الحرية - المساواة" و أهم من طلب الشيوعية لمجتمع عديم الطبقات.

 في نظري و من الناحية الفلسفية فإن هذا الشعار جبار في تواضعه وهو ليس فقط معقولاً و لكنه ضروري أيضا لأنه يخفف سيل الدماء. و لذلك أطلب العدالة لتغير قصر الظلم الى قصر العدل و مراقبة الأجهزة الأمنية لعيش حياة خالية من الخوف و لذلك أتبنى شعاراً جديداً "تصرف - مسؤولية - احترام الوقت".

إن خلاصة هذا الكتاب الذي يحتوي على عشر مقالات تعرض ظواهر و عوامل الفلسفة السياسية العربية و هذه الخلاصة ترتكز على نقطتين أساسيتين: 1- دخول المجتمعات العربية إلى عصر الميكانيكية والتقنية المتقدمة التي هي حديثة العهد بعد عام 1945أي بعد دخول عصر الذرة و تطوير المجتمعات على أساس العلوم الطبيعية .

إن هذا النوع من التغيير هو تطور ميكانيكي ليس له تاريخ إلا من عام 1945 كما أشرنا، أي أنه خارج عن منطق العقل المألوف. و عندما سُئل أفلاطون قبل أكثر من ألفي عام متى يأخذ العبد حريته؟ فأجاب: عندما تعمل الآلة نفس عمل الإنسان. و هذا ما نشهده اليوم في مثال الروبوت الذي أصبح زميل العامل وكنتيجة له أن أوباما ذو الأصل الأفريقي أصبح رئيسا لأكبر دولة في العالم. -2 الحضارة العلمية جعلت من النخبة العربية طبقة عقائدية جديدة أي تغير العلم كحركة فكرية مستمرة إلى مجرد فكرة ثابتة ومن هنا فالرجوع إلى النقد العلمي لا يمكن تنفيذه إلا عن طريق تطبيق منطق البحث العلمي الذي هو عمل فلسفي محض مجرد وانعكاسي علاوة على كونه غير مرغوب فيه في التفكير العادي وعليه فإن الحرب العقائدية أصبحت الآن تحصل على مستوى المثقفين والجامعيين وأفراد الشعب العوام وبعبارة أخرى فإن الحرب العقائدية أصبحت بين جميع مكونات المجتمع، حرب الكل ضد الكل و هذه المعادلة معروفة من توماس هوبز الانجليزي في كتابه ( ليفياتان) والتي أشرنا اليها في دراستنا "الحيوانات في نظريات الفلسفة السياسية" و بناء على كل ذلك فإن المنطقة تنتظر العديد من الحروب كما حدث في أوروبا في القرن السابع عشر بين عامين 1618 - 1648 و حرب لبنان التي استمرت خمسة عشر عاما.

نحن نعلم أن كثيرين من السياسيين العالمين كانوا يستخدمون الفكاهة كواسطة في العمل السياسي اليومي لأن الإنسان المتمكن والواثق من نفسه قادر على التعامل و التأثير على الطرف الآخر و نقول إن أقرب شيء للحقيقة هو الخطأ و أقرب شيء للإنسان هو الحيوان وعندما ذكرنا أن التصرف هو من أهم الصفات المؤثرة في العمل السياسي نرى أن تصرف الحيوانات شيء يجبرنا على إعادة النظر في سلوكنا و ذلك عن طريق مقارنته بسلوك الحيوان. العمل السياسي الدبلوماسي اليومي كما نراه في العالم من خلل تصرف الدبلوماسيين بأنهم تحت ضغط قوي و دائم كما عبرنا عن عملهم بعمل الإطفائي و بالنتيجة يكون العمل ارتجالياً إسعافياً و له الأولوية أمام الضرورية و هو أحد أسباب الخطأ في العمل السياسي, فالسياسة المدعومة بأفكار فلسفية لها أبعاد طويلة نستطيع أن نقول u1576 بأنها تخفف من نسبة الأخطاء و المثال الذي ذكرناه أن السياسي يبيع الأفكار بالمفرّق ونحن نبيعها بالجملة.

 النظريات السياسية الكلاسيكية كانت عقلانية صافية والعاطفة ننظر إليها كموضوع ليس فقط ثانوياً بل خارج عن العقل المجرّد مهما كلّف الأمر والإنسان يبقى إنساناً بغض النظر عن وضعه في المجتمع أو قيمته, فبعد تحرير المرأة في أوروبا ظهرت فلسفة نسائية مختلفة جذرياً عن النظرة الذكورية, والفيلسوف هيغل قال مرة: "لم يظهر حدث كبير في التاريخ الا عن طريق العاطفة". و العاطفة هي حيلة العقل وهذا يعني أن العاطفة هي المحرك و الطاقة للأحداث الإنسانية وفي إطار التفكير العاطفي يلعب الفن و الرسم والتصوير دوراً مهماً في الأحداث السياسية. فالفن في البلاد العربية لم يقدّم للعالم كما فعل الإفريقيون مثلا بالجاز، ونذكر على سبيل المثال تصرف العربي في رقص الفالسا و عدم فهمه للموسيقى يجعله يتخبّط في حركاته دون تنسيق لكن عندما تنقلب إلى موسيقى عربية يكون التغيير ظاهراً. ملاحظة : إن الجديد في هذا العمل هو تجربة تطبيق النظرية الفلسفية على الفن ) كما فعلنا في موضوع الزمان والمكان مثلا ( وعن طريق الصورة و الشكل و اللّون نستطيع أن نجعل المفهوم ملموساً و محسوساً أي جمعنا الصورة بالمفهوم، و هذه الأعمال الفنية تحققت بالتعاون مع فنّانين ألمان و سوريين و عُرضت في عدّة دول أوروبية و عربية.

 الساعات المعروضة بعدة محاور تُوضّح عدم إمكانية الرجوع إلى الماضي .و مع احترامنا لجميع أعمال النخبة العربية بغض النظر عن اتجاهاتها الإيديولوجية و السياسية و التي هي دون شك أعمال مُحترمة و لها التقدير و لكنها لم تصل إلى الشعب لأن العمل الفلسفي النظري الإيديولوجي العربي خال من الصورة و الشكل واللّون أي أنه لم يستطع الدخول إلى علم الجمال و روح الشعب . وسبب نقص الدراسات الفلسفية العربية هو عدم اعتماد الفن كقاعدة للمجتمع واعتباره زينة له و بالمحصلة فإن السياسة هي عمل ثقافي يجمع بين العلم والفن و هذا ما تفتقده أحيانا أعمال النخبة العربية.

حلب
الفئة: 
المصدر: 
الجماهير