تأملات في فلسفة الحب 3/3

العدد: 
14394
جمعة, 2015/11/06

الحب كالطبيعة معادلة تحل نفسها بنفسها , ولكن للطبيعة إستراتيجية أو قوانين إذا ما اكتشفت أصبح من السهولة بمكان السيطرة عليها , وللحب استراتيجيته وقوانينه الخاصة به , لكنما هذه القوانين أو الاستراتيجية عصية على الكشف , ولهذا كان من المحال الشروع في الطريق السوي للوصول إليها وبالتالي تصبح إشكالية غير قابلة للحل .

ومن هنا قدم الحب نفسه حصناً منيعاً ومسلحاً بأبواب غير قابلة للعبور لأنه ينتمي إلى عالم أسمى مما عهدنا في حياتنا الاجتماعية وهذا ما يجسد حياة المحبين بجدلية قوامها الصراع والانسجام بين حين وآخر بل وبين لحظة وأخرى . ولهذا اخترع السوريون القدماء إلهاً للحب وقلدتهم في ذلك معظم الأمم . فإن الدراسة التحليلية لملاحم الهلال الخصيب عبر سورية وبلاد الرافدين تؤكد أن الحب هو نسيج إلهي يفوق طاقات البشر وهذا ما ساقهم إلى تأليهه . وهذا يحمل الكثير من الحقيقة لأن جوهره ما ورائي محض غير قابل للإمساك أبداً .. إنه شعور داخلي يعيشه المحبون رغماً عنهم وبلا سابق تصميم , وهذا ما يجعل الحديث النبوي أكثر وضوحاً بقوله صلوات الله عليه : ( الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف ) . لكنما يبقى الإشكال لماذا ائتلف هؤلاء واختلف الآخرون ؟ وهذا ما يؤكد أن الحب عصي عن التحديد لأنه قبس من النور الإلهي , ولهذا لا يدرك أبجدياته إلا أولو الألباب ممن يعمدون إلى عقلنته في إطار العواطف الجياشة التي تغطي بسحبها الداكنة حضور الوعي ، الذي يلتبس على معظم المحبين اكتشافه مما جعل العرب السوريين يقيمون له عيداً سنوياً في الرابع عشر من شباط كما تفيد الأساطير الكنعانية وقد سرقها عنهم الرومان وادعوا لأنفسهم الأكذوبة الرومانية وألصقوها بالقديس فالنتين كما أشرت لأن الحب يخترق كل إنسان بلا سابق إنذار وبمعطيات خفية تصعب ملامستها ووضع اليد على هذه المعطيات لتشكل فتحاً في استراتيجية الحب ومساراته .

فما مقومات هذه الاستراتيجية ؟

في الحب بين الله والناس يأخذ الحب شكله السامي لأن الله الذي يمتلك الربوبية المطلقة والتدبير الكلي لحياة الكائن البشري المحتاج أبداً لهذا التدبير يقدم الحب بأسمى أشكاله فالله عطاء مستمر والإنسان لا قوام له إلا بهذا العطاء ، وهذا ما يجعل الحب الإلهي بين الله ومخلوقاته غير قابل للتوقف . وقد يمر باهتزازات حينما يطلب الكائن البشري العطاء الدنيوي الضروري ولا يحظى به وفي حال تضاءل هذا العطاء الدنيوي تشتد الاهتزازات وقد تتمادى بالنسبة لبنية التركيب النفسي للإنسان لكنما سريعاً ما تجد حلاً كما في حالة نبي الله أيوب الذي وصل مرحلة كاد يفقد فيها صوابه فهرع إلى الله منادياً " ربي إنني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " آية 83 سورة الأنبياء . لكنما يمكن تجاوز هذه الاهتزازات كلياً حينما يدرب الإنسان نفسه على الصبر وأنه على موعد مع العطاء الإلهي في الحياة الدنيا أو يوم البعث والنشور .

وفي الحب بين الأهل والأرحام تكون ممارسة الحب أقل ضجيجاً لأنها ولدت مع الطفولة والجميع يمتلكون شعوراً داخلياً بالمسؤولية المشتركة تجاه بعضهم البعض ، إضافة إلى أن معظمهم يؤمنون بأنهم على موعد مع حصاد وفير لحبهم وهو جنات عرضها السموات والأرض .

لكنما في حالة العشق بين الأنوثة والذكورة هناك شكل آخر للحب ، فقد ولد لأسباب خفية على العاشقين وفجأة تملكهما إحساس وهّاج بأن كلاً منهما غير قادر على الاستغناء عن الآخر وأن حياته لا تشكل شيئاً دون الآخر فيسيطر عليه التطلع إلى التملك .. تملك المحبوب دون أن يدري أن لا حق له بهذا التملك إطلاقاً وإذا قبل بتملك نسبي فهو لا يسارع إلى استخدام الحيثيات التي تؤهله لهذا التملك النسبي فيدخل في صراع متماوج يهدأ حيناً ويتعالى  في أحيان أخرى لأنه يسعى إلى ما لا قدرة له عليه ولا طاقة له به إلا بشكل نسبي فيتيه في ظلمات العواطف والانفعالات الصارخة تائهاً عن مقومات التملك النسبي الذي يمكن أن يحققه وبذلك لا يحصد كل منهما إلا عماء .

وقد يسعى كل منهما إلى أن يجسد كل ما يحبه الآخر للاحتفاظ به لأن محبوبه إذا صد عنه لا يعرف إلى الرشاد سبيلا ، فكل منهما يغمره الحزن ويتصبب عرقاً لأن طيف المحبوب يدغدع البواعث الكامنة في أعماقه ويخيل إليه أن مساحات لا حدود لها تفصل بينهما ويسارع كل منهما إلى أن يكظم غيظه ويسبل الدموع مدراراً على مصيره المجهول لأن الطبيعة لم تفتح له أبوابها لاكتشاف قوانين الحب واستراتيجية .   

فأبواب المرور موصدة أبداً في طريقه ، فالمحبوب ينتمي إلى الطبيعة بقدر ما ينتمي إلى وجود أسمى وبهذا الانتماء إلى الطبيعة تبقى الأنثى مزهوة بغرورها مادامت مطاردة من الحبيب ويبقى الذكر مزهواً بنفسه كلما تعالت مكانته عند الأنثى فيقول في نفسه لم لا أتفانى في حبها وقد جعلت لي من صدرها مهاداً ومن ذراعيها وساداً لم لا أمارس معها هوى يملؤ جوانحي لأنها عرفت من أنا وأسكنتني في رحابها المترامية الأطراف ، لكنما سريعاً ما يتحول ذلك العناق المغرد بين الذكر والأنثى إلى توتر لأنهما لم يمسكا بمفاتيح الحب وقوانينه ولم يفهما استراتيجية هذه القوانين ومساراتها .

ويبدأ الكشف عن القوانين النافذة للحب والإمساك باستراتيجيته حينما يقفان على أرضية ثابتة :

يقول الذكر : إن أجمل امرأة في العالم التي أحبها وأعظم امرأة في العالم التي تحبني .

وتصدح الأنثى: إن أعظم رجل في العالم هذا الذي أحبه وأجمل رجل في العالم هذا الذي يحبني .

وها هنا يكون كل منهما قد اتخذ موقع صدق في عالم الحب وذلك بألا يكف كل منهما عن الإثبات للآخر بأنه الأعظم والأجمل في الإمساء والإصباح والأصائل والأبكار والليل والنهار .

فكيف يتم ذلك ؟

كل يعطي للآخر ما يملك من مودة ولباقة وكرم ولوائح قيم لا تعرف إلى التوقف سبيلاً .

ها هنا تكمن قوانين الحب واستراتيجيته في العطاء بلا حساب ولا توقف لأن الكائن البشري مفطور على الأخذ أبداً وعلى محبة المعطاء فليزرع في نفسه فطرة أخرى هي العطاء لأن الحب عطاء .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد