شاعران من حلب وقصيدتان .. سالبي بغده صاريان ومحمد حجازي

العدد: 
14399
أربعاء, 2015/11/11

إنها حلب مدينة الإبداع والأصالة ، مدينة الكلمة المنطلقة أبداً إلى المجد وموطن الوتر الخالد والسيف القاطع والجمال المنداح ، مدينة الإبداع المتواصل في بيوتها ومنابرها الثقافية، وما السنوات العجاف التي ناء فيها كاهلها باللظى واللهب والفتك بالحضارة والإنسان إلا سنوات إبداع لبعض الأدباء الذين امتشقوا أقلامهم وتحرروا من قلقهم وزينوا صفحات الورق ولحظات الأمسيات بكلمات عمرها الشوق وأضفاها الحنين.

حول هذا الموضوع أقامت مديرية الثقافة بحلب ـ دار الكتب الوطنية ـ محاضرة بعنوان (قراءة نقدية في شعراء معاصرين من حلب ) قدم القراءة الباحث زياد مغامس حيث تناول الشاعرة سالبي بغده صاريان وقصيدتها التي حملت عنوان (وطني) والشاعر محمد حجازي وقصيدته ( القصيدة ماتت تواً) فكانت دراسة نقدية موضوعية منهجية متكاملة تناولت القصائد موضوع البحث من حيث الشكل والموضوع والصور فلم يكتف الباحث بدراسة ظاهر النص وإنما تناول المضمون من خلال دخوله إلى أعماق الشاعر وسبر أغواره واستخلص كل الأفكار والأحاسيس والصراعات التي عاشها الشاعر في فترة مخاض القصيدة ليصل بنا إلى مرامي القول في القصيدتين.

كل ذلك جاء بأسلوب أدبي رشيق قام بتقسيمه إلى أبواب ونوافذ استهله بالعتبة النصية للقصائد ثم مرامي القول الجميل ليدخل بنا إلى باب الفسحات التأملية ، حيث نجد على المدخل شمعة مضاءة يترقرق لهبها ويبدو عليه ظل لباب كبير إن ولجته تراه ينفرج عن مساحة واسعة واحدة فيها بابان كبيران وثلاث نوافذ، البابان مزركشان مزخرفان بتداخل كلمي جميل لا يكتشف كنهه إلا المحبون مؤطران بوشي منمنم ترتعش حروفه الملونة وفي الردهة نوافذ عدة منها نافذة الحزن المعلن ونافذة الموت المرفوض ونافذة الحياة المشرعة وصولاً إلى التشكيل الصوري . والاختلاف والاتفاق بين القصيدتين موضوع الدراسة .

ومن نافذة الحزن المعلن وجد الباحث أن الشاعرين أطلا من هذه النافذة ونظرا من خلالها إلى المشهد الحزين ، فالحزن عند حجازي يبدأ من الكلمة الأولى إنه حزن على موت الشعر لكنه حزن تغمره نفحة عطر لأنه ينطلق من لحظة الإبداع الأولى المنبئة بالموت :

قد أحضر جنازة النص وقد لا أفعل

وأنتم كذلك لن تفعلوا

فلم تعد القصائد تعرفنا ، وبتنا غرباء في المأتم

والمعنى سيدفن في قلب شاعر .

إن أسباب الحزن كثيرة ومن أهمها وجع الحياة الشعري البادي في الكلمات المتمردة على الدموع وهي تحيا متمردة على أصحابها لأنهم باتوا شعثاً مصابين بحس من حنين إلى وطن مصاب ، حزن لا تثمر أعطافه وتهوي في مهاوي الردى وتبقى تقرع النافذة وتدق على الضمائر بحروف ترتعش وترعش النفس وتتركها مستلقية على فضاء صفحة حزن حيوي يوصلها إلينا الشاعر بصدق حزين حتى مع الحبيبة التي يلتقيها :

ببلادة ألتقي الحبيبة

قلم مكسور

وقصاصة ورق أنساها في جيبي

وسأبقى أسيراً لوجع الأزهار على ناصية السؤال

وأنت والوطن وجهان لوجع واحد .

أما حزن الشاعرة سالبي فهو حزن منبئ عن حياة وتواصل يرفض كل الأسى وتبتسم كل الجراح إنها تظل رغم الغيوم الجارحة متكاملة مع الوطن تسكن فيه ويسكن فيها :

تظل للأبد جوارك

تقصقص أشعة شمسي الوحيدة وترميها مزقاً عند قدمي

كما تقطع وترمي لعبة عند قدمي طفل

لم يصبح أعمى من حزن .

وقبل هذا كان الحزن المنطلق من الأعماق المعبر عنه بكلمة مديدة تحمل آهة تنثر معها الدموع في الرؤية الذاهلة الكامنة :

لم أبدأ جرياني الأعمى من مكان واحد فقط

كالعقل أو القلب

بل من نقطتين متعاكستين تماماً

وبعيدتين جداً جدااااا عن بعضهما

هذا المد الحزين الذي حمل الشجن ند عن آهة مستترة عبرت عنها الشاعرة باستفهام حزين وصرخت بقوة الصبر النائم في الأعماق الطفلية لشاعرة كبيرة :

كيف قصمتني الحرب هكذا ؟..

إنه حزن نفسي يتسلق كل سلالم الألم وهو يبحث عن نافذة أمل وحب في الكلمات ، حزن يتشظى يحفر عميقاً في جسد الوطن لكنه ينتهي مع دمعة تجففها سريعاً عن وجنتيها أو وجنات الوطن بوجدنة واتحاد .

في نهاية المحاضرة قدم عدد من الحضور مداخلات أدار الحوار فيها طارق قباني مدير المركز الثقافي العربي بالعزيزية أكدت أهمية البحث خاصة أنه تناول شعراء شباب من حلب كتبوا عن الوطن خلال هذه الأزمة فكانت قصائدهم مستقاة من الواقع ومليئة بالصور المعبرة .

بعد ذلك قدم كل من الشاعر محمد حجازي والشاعرة سالبي بغده صاريان تعقيباً على الموضوع .

استمع إلى المحاضرة لفيف من الشعراء والأدباء والمثقفين .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
سعد الراشد