ذاكرة الحجر

العدد: 
14399
أربعاء, 2015/11/11

يقف المرء متسائلاً أمام ما يجري على الأرض في بلاد الشام والعراق اليوم ويقول: لماذا هذا الإصرار على تدمير المراكز الحضارية ومعالمها بدعاوى سياسية ودينية ظاهرها مضيء وباطنها ظلامي؟.

أنا لا يمكن أن أتصور الجامع الأموي الكبير بحلب وقد فجرت مئذنته التاريخية وانتهبت مكتبته ومنبره، ولا المكتبة الوقفية وقد أصبحت يباباً وكانت عامرة بالكتب والمراجع، ولا المدرسة السلطانية وقد فُجرت وفيها المقبرة الملكية، ولا يمكن أن أتصور متحف بغداد وقد انتهبت آثاره ولا مكتبة الموصل وقد أحرقت مثلما فعل هولاكو الهمجي بمكتبات بغداد حين ألقاها في نهر دجلة، ولا آثار تدمر –معبد بعل شمين، ومعبد بل- وقد دمرت، ولا المساجد التاريخية ولا الأضرحة حيث يأنس إليها الناس وقد فجرت!.

إنهم بلا شك يحاولون أن ينسفوا ذاكرة المكان، وذاكرة الشعوب التي حملت الحضارة والنور والمعرفة إلى العالم.

هل ترى يتم هذا التخريب المتعمد لأن إسرائيل تبحث عن آثار عينية لها في فلسطين، وعن بقايا الهيكل فلا تجد شيئاً ثم لا تجد غير التوراة وقصصها  وأساطيرها؟ ويزعجها أن فلسطين عامرة بالآثار الكنعانية والعربية والإسلامية.

إنهم إذا عملوا على أن ينسفوا ذاكرة الحرف وذاكرة الحجر فإن ذاكرة التاريخ باقية.

تؤكد الدراسات الحديثة أن هذه المنطقة التي تتعرض للتدمير هي مهد الحضارات في العالم، فمن الشائع سابقاً لدى الأوروبيين أن الحضارة اليونانية حضارة قائمة على طفرة، وأن لا شيء قبلها, وأنها هي التي قدمت النور والمعرفة للإنسانية، لكن الدراسات والأبحاث الأنثروبولوجية والميثولوجية والتي تتعلق بالأنسنة وعلوم الإنسان وأن الحضارة اليونانية التي وسعت الكتب والمؤلفات في الدين والثقافة والمعرفة والفلسفة والرياضيات والفلك  والطب والتاريخ هي حضارة مسبوقة ولها مرجعيات تعود إلى حضارة مابين النهرين والحضارة السورية القديمة والحضارة المصرية القديمة. ومن المعروف أن البابليين قد برعوا في الرياضيات والفلك وعنهم أخذ الإغريق، وأن أوغاريت السورية علمت العالم النظام الأبجدي في الكتابة. وفي توتول (الرقة) وماري (البوكمال) ونينوى وبابل وغيرها آثار عمرانية ومنحوتات ورقمٌ وكتابات تعود إلى آلاف السنين ومنها ما يعود إلى ستة آلاف عام قبل الميلاد، علماً بأن الحضارة اليونانية لا تعود إلى أكثر من خمسمئة عام قبل الميلاد، وأن حمورابي البابلي وملوك آخرين سبقوهم فهم أول من سن الشرائع المكتوبة في التشريع المدني، وقد عرفت شريعته بشريعة حمورابي .  وأن المجمّع الإلهي في اليونان مأخوذ عن المجمع البابلي، وأن الحضارة السورية وحضارة العراق – مابين النهرين- والحضارة الفرعونية تعود إلى ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف سنة قبل الميلاد.

كما أن الكشوف عن أوابد الحضارة في جزيرة كريت المنياوية تؤكد أن هذه الجزيرة كانت صلة الوصل بين الحضارات العظيمة في منطقتنا وبين حضارة الإغريق التي جاءت لاحقة . وحضارة كريت المنياوية هي حضارة سامية لغوياً وفكرياً وأدبياً.

يقول العالم كروس جورن الذي يدرس اللغة الأوغاريتية: "لقد وصل إلى أيدينا تراث أدبي غني من أوغاريت السورية هو التراث الذي عَبَر من جزيرة كريت مشكِّلاً الجسر بين أوغاريت واليونانية، ويكفي هذا للبرهنة على أن الشعوب السامية الغربية (سورية والعراق) هي التي أرست أسس الثقافة الميناوية في كريت، هذه الثقافة التي أعطت الحياة الثقافية المسينية أولَ ثقافة إغريقية".

يشير ول ديورانت مؤلف تاريخ الحضارة إلى أن أصول الحضارة والثقافة والدين والأساطير مستمدة من الشرق ، يقول : "إن الأوروبيين لم يشيدوا صرح الحضارة وإنما أخذوها من بابل ومصر". وقد لخصت المستشارة الألمانية ميركل الدور الذي قامت به سورية وشعوب المنطقة في نهضة أوروبا فقالت في كلامها عن مأساة اللاجئين السوريين: " لقد كانوا السبب في نهضتنا وكنا السبب في تعاستهم".

ما أريد أن أصل إليه في نهاية المقال هو أن الذاكرة الحضارية لسورية والعراق ومصر هي ذاكرة غنية بالعمران والمعرفة والعلوم والآداب، وإن ما تحاول الدول الغربية اليوم وإسرائيل هو تدمير هذه الذاكرة الحضارية الغنية.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي