علاء

العدد: 
14401
جمعة, 2015/11/13

منذ أن تحركت السيارة بمجموعة الاقتحام الذين تطوعوا من تلقاء أنفسهم للقيام بمهمة جديدة تحت إمرة قائدهم المعروف بنبله وشجاعته ، وعلاء يرى أمه تجري خلف السيارة وسط الغبار المتطاير من تحت عجلاتها التي تدور .

 ابتسم لهذه الرؤيا جريا وراء عادته حين يفاجأ بأمر يعجز عن تفسيره أو الإجابة عليه ، وحين تحولت ابتسامته إلى ضحكة مثيرة للاستغراب . لكزه زميله محمد ، ثم أعقب لكزته بسؤال : ما بك يا علاء .. ما الذي يضحكك ؟؟ لم يرد علاء على سؤال رفيقه محمد .. إلا أنه عاد ليبتسم لأمه التي ظل يراها خلف السيارة المسرعة ، ولولا اقتناعه بأنّ أمه التي يراها ليست حقيقية .. لأنها ميتة منذ سنوات عدة .. لما استطاع أن يبتسم ، وربما لم يمنعه الواجب من القفز من السيارة ليوقفها ويضمها .. لأنّ الطريق كان ترابيا موحشا ، والأرض قاحلة . رمادية . صفراء ، وكانت السيارة المكشوفة ترتج عند كل انخفاض وارتفاع مثيرة الغبار من تحت عجلاتها التي تدور وتدور .. وبقيت ابتسامته عالقة بوجهه . حيث حمله خياله إلى البيت الذي عاش فيه ، وإلى حنان كان موجودا في كل أرجائه ، في الأسّرة .

في المقاعد ، في الزوايا ، في أواني المطبخ ، في وجه والده ، ووجه شقيقه ، ووجه شقيقته .. إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم ودفن جزءا غاليا من ذاك الحنين في مقبرة العائلة إلى الأبد ، ومنذ ذلك اليوم رأى بعينيه كيف كسر قلبه الغض ، وما عاد بإمكانه أن يعود كما كان .. ابتسم بحزن وهو يقول لنفسه " القلب لا ينكسر .

لكنّ شيئا ما يشبه الكسر يصيبه دائما " ثم تابع قائلا " ليتها ذهبت لرؤية أخي وأختي فهما بحاجة لها أيضا " كان الوقت ما يزال باكرا ، والفجر رطب بارد كأنه غيمة بيضاء مثلجة عجزت الشمس عن إذابتها ، وحتى الجبال والوديان كانت متداخلة ممتدة مثل كل متاهات هذا الوجود . أما المرتزقة وما يحكى عن استقدامهم من كل دول العالم فكان يدخل أيضا في سجل هذه المتاهات التي لا يستطيع المرء أن يتأخر عن مسحها نهائياً قبل أن تصبح سرطاناً  بالغ الخطورة .

صوت آخر فاجأه بغتة .. " كن حذراً يا علاء . فأنا أعرف توقك لامتلاك ناصية الخلود.. ضحك علاء لكنه لم يقل شيئا . بل عاد ينظر إلى أمه التي رآها وقد تأخرت عن السيارة مسافة لا تقل عن مائتي خطوة . فاجأه تأخرها كل هذه المسافة ، ولم يعجبه أن يراها منهكة متعبة . فسقطت ابتسامته كما تسقط الورقة الصفراء من أعلى شجرة الحور وسط زوبعة من الغبار الكثيف ، والأهم أنه تركها تسقط لتضيع وتضيع .

فقد كان هناك وعلى مسافة ليست بعيدة وحوشا من نوع جديد ، وما جاء مع رفاقه إلا لتنظيف الأرض التي هي وطنه من رجسهم .. إنه القدر بكل اتساعه وغموضه .. مضافا إليه إرادته الحرة التي فرضت عليه أن يهب دمه مختارا لتراب وطنه بغية الحفاظ عليه طاهرا .. كريما .. عزيزا .. كما يحب أن يراه ، وكما يجب أن يكون .. ليس من أجله فقط .. بل من أجل كل العاجزين .. أطفالا ، ونساء ، وكبارا ، وحتى من أجل كل العاجزين المتخاذلين .. لأنّ الله موجود ، وهو من خلقهم ، وهو الأولى بهم . كان رفاقه يفكرون ويتكلمون أيضا . ( دزّينة ) كاملة من الشباب النخبة وصلوا قبل شروق الشمس إلى مكان لا يشبه أي مكان عرفوه قبل الآن ، ربما لأنه كان مسكونا بالخطر كما قال قائدهم . فغادروا السيارة بحذر ، ثم انتشروا في المكان وفق توجيهات القائد الذي تقدمهم منذ البداية إلى أن بدأ الهجوم ، ومنذ أن ضج المكان بأصوات القذائف ، والرصاص الذي انهمر غزيرا من فوهات البنادق . أصبح لكل منهم تقدير الموقف الذي هو فيه . المهم هو متابعة القتال حتى آخر رصاصة . فإما النصر ، وإما الشهادة ، وما كان علاء إلا واحدا من أولئك الشهداء الأبطال . عندما أصيب .

وسقط على الأرض . كانت أمه أول الواصلين إليه . فرآها وهي تحتضنه . ورغم شدة وتعاظم لهفتها خلال سنوات الفراق . احتضنته برفق . حتى أنه أحس بأنفاسها وامتلأت رئتاه برائحتها ما إن رفعت رأسه إلى صدرها .

وإذ ذاك سقطت دمعتين من عينيه .. ثم بدأ فصل جديد . فقد سمعها تولول ، وفي لحظة أخرى سمعها تزغرد وتغني .. ( زفوا العريس يا أهله .. زفوا العريس .. شيلوا الحبيب لبيته .. شيلوا الحبيب ) وفيما بعد حضرت أصوات كثيرة . تداخلت وتناغمت في مشهد غريب . فها هم أشبال الكشافة بطبولهم وأطباقهم النحاسية يتقدمون موكبا مهيبا ، ومن مكان ما كانت تأتي إلى سمعه موسيقى جنائزية لطالما أحب سماعها ، وها هي أشجار السنديان تظلل مئات الأشخاص الذين اجتمعوا ليودعوا أحدا منهم ، إضافة إلى أصوات التكبير والزغاريد ، وأصوات الرصاص المنطلق في الجو . وها هي الشمس تشرق فجأة .. " نعم أشرقت الشمس " هذا ما قاله لنفسه وهو يسلّم روحه لخيوطها الحمراء الخجولة ، ثم ينتهي كل شيء . الوداع يا علاء وإلى لقاء قريب إن شاء الله ........

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
يونس محمود يونس