الإبداع : مفهوم التعليم الإبداعي، والتعلُّم الإبداعي

العدد: 
14402
سبت, 2015/11/14

كثُر الحديث عن الإبداع، وأهميته لبناء المجتمعات القادرة على مواجهة التحديات بأشكالها كافة، وابتكار الحلول لمشكلاتها الراهنة والمستقبلية، وإنتاج المنجَزات الحضارية التي تكفل لهذه المجتمعات البقاء، فضلاً عن الحياة الكريمة الفاعلة. ولما كان الإبداع فعلاّ مكتسباً، وليس عطاء ربانياً مقصوراً على أمة دون أخرى، ومجتمع دون آخر، فإنه قابل للتعليم والتعلم، قابل للاكتساب إذا توافرت من أجله الجهود، وتحمّست له الإرادات الحرة. والإبداع باختصارٍ يعني: القدرة على إيجاد عدّة حلول للمشكلة الواحدة، أو القدرة على افتراض عددٍ من المشكلات المحتَمَلة مع ابتكار عدة حلول لها، فما المقصود بكل من التعليم الإبداعي، والتعلُّم الإبداعي؟

1) التعليم الإبداعي:

هو نوع من التدريس يحرِّر الطلبة من كلِّ القيود لكي ينمو كلٌّ منهم إلى أقصى درجة ممكنة تسمح بها إمكانياته، وفي هذا النوع من التدريس يكون المعلِّم على درجةٍ عالية من الوعي بطلبته، والقدرة على مواجهتهم بمواقفَ تعليميةٍ تحتوي على عناصر مفقودةٍ أو غيرِ مكتملة؛ ليحفزهم على إبداع هذه العناصر أو إكمالها.

يشجِّع التعليم الإبداعي على الاستكشاف، وإثارةِ الأسئلة، والتجريبِ، واتّباعِ أسلوب المخاطرة، واختبارِ الحلول والأفكار، وتعديلها، كما يدعم قدراتٍ مثل: الحساسيّة للمشكلات، والطلاقة، والمرونة، والأصالة، وإضافة التفصيلات، وإعادة تعريف الظواهر والعناصر والموضوعات، متفوقاً بذلك على التعليم التقليدي الذي يدعم عدداً محدوداً من القدرات العقلية مثل: التذكر، والتفكير المنطقي.

ويؤدي التعليم الإبداعي إلى إكساب الطلبة الاتجاهات الإبداعية، وذلك من خلال حثّهم على التفكير الإبداعي، وتقويمه، وحثّهم على احترام الأفكار الجديدة وغير العادية، وتقبُّلها، بل وتقبُّل الأفكار الغريبة والشاطحة التي ينتجها غيرُهم، بالإضافة إلى تشجيع الطلبة على إنتاج مثل هذه الأفكار الغريبة، وتوصيلها إلى الآخرين دون خوفٍ من الوقوع في الأخطاء أو الفشل. هذا وينبغي أن يكون الطلبةُ على وعيٍ بأهمية التجديدات الإبداعية في صنع تاريخ الحضارة من جهة، ودورِها في حلِّ مشكلات الحاضر والمستقبل من جهة أخرى، فلولا هذه التجديداتُ والأشخاصُ المبدعون الذين كانوا وراءها لكانت البشريةُ لا تزال تعيش حياة بدائية فقيرة.

يحقّق التعليم الإبداعي اندماجَ المعلم في الأنشطة الإبداعية التي يقوم طلبتُه بها، والمشاركةَ فيها، كما يؤدي إلى حبّ كلٍّ من المعلم والطلبة للمدرسة التي ينتمون إليها. وبالرغم من أن التعليم الإبداعي لا يعني تقديمَ الدواء لكلِّ داءٍ في العملية التعليمية، ولا يعتبر معجزة تُغيِّر من أنماط التعليم العادية، إلا أنه مع توافر العمل الجادّ المخلص، وتمتُّع المعلم الإبداعي بدرجة عاليةٍ من التخيل، فإن الطلبة يمكن أن ينموا إبداعياً، ويحلّوا كثيراً من المشكلات التي تواجههم في عملية التعلّم، والتي بغير هذا النوع من التعليم يُخفقون في إيجاد الحلول المناسبة لها.

إن الانفجار المعرفي يجعل من المستحيل على الطلبة أن يكتسبوا من المدرسة فقط كلَّ المعلومات والمهارات التي سوف يحتاجونها في حياتهم؛ لذلك يجب أن يزوَدوا بكلِّ أنواع القدرات والمهارات التي تمكِّنهم من مواصلة عمليةِ التعلم طوال حياتهم، ومن الاستجابة بالطرق البنّاءة للتغيرات والضغوط التي تحيط بهم في هذا العصر، لا بالطرق التكيّفية التوافقية فقط؛ ومن هنا تأتي الحاجةُ إلى استخدام التعليم الإبداعي الذي يَشعر المعلمُ فيه بالحيوية والمتعة على الرغم ممّا يبذل من طاقة وتضحيات، وذلك حينما يلمس امتلاك طلبته لكلِّ ما هو حقيقي ومنتِج.

2) التعلّم الإبداعي:

هو العملية التي من خلالها يشعر المتعلِّم بالمشكلات، أو أوجهِ النقص، أو الثغرات، أو العناصر المفقودة ، أو التناقضات الموجودة في المعلومات التي يحصل عليها، ثمّ تجميعه لهذه المعلومات وتركيبها بطريقة تساعده على تحديد الصعوبات أو التعرف إلى العناصر المفقودة، مع البحث عن الحلول، ووضع التخمينات، أو صياغة الفروض فيما يتعلق بالمتناقضات، واختبار هذه الفروض، وتعديلها على أساس ما تُسفر عنه عملية الاختبار، ثُم إعادة اختبارها، وأخيراً توصيل النتائج إلى المعلم، أو الزملاء، أو غيرهم من الأشخاص المحيطين بالمتعلِّم من أصحاب العلاقة بالعملية التعليمية – التعلمية. إن هذا التعريف للتعلُّم الإبداعي يصف عمليةً إنسانيةً طبيعيةً تشتمل كلُّ مرحلة من مراحلها على دوافع إنسانية قوية.

ويمكن للمعلم أن يستثير حساسيةَ الطلبة للمشكلات، أو الثغرات، أو أوجه النقص، أوالتناقضات الموجودة في المعلومات من خلال سلسلةٍ من الخبرات التعليمية المنظَمة والموجَهة من قِبل المعلم نفسه، أو من خلال الأنشطة التي تنبعث ذاتياً من المتعلِّم أو مجموعة من المتعلمين. وبغضِّ النظر عن مصدر الاستثارة فإن إحساس المتعلم بالمشكلة، أو عدم الاكتمال، أو التناقض يثير لديه توتراً وشعوراً بعدم الارتياح، ومن هنا يصبح محباً للاستطلاع، باحثاً عمّا يلبّي حاجته إلى المعرفة، وإذا لم تكن لديه استجابةٌ مناسبةٌ للمواقف التي كان قد تعلّمها من قبل، أو كانت استجابتُه غير مناسبة، فإنه يبحث في ذاكرته، وفي غيرها من مصادر المعلومات مثل: الكتب، والتقنيات، وخبرات الآخرين، وغير ذلك من أجل التوصُّل إلى الحلول الممكنة، محاولاً تجنُّب الحلول العادية أو المألوفة، والحلول الخاطئة، أو غير القابلة للتنفيذ، وذلك عن طريق البحث والتشخيص، وإعادة تنظيم المعلومات، وبناء حلولٍ على حلول، ووضع الفرضيات والتخمينات، وسيظل المتعلم متوتراً، لا يشعر بالارتياح إلى أن يختبر هذه التخمينات والحلول، أو يعدّلها، أو يعيد اختبارها، وستظل الدافعيةُ لإنجاز الحلِّ قائمةً لديه حتى يأتي به على صورة تُرضيه منطقياً وجمالياً، بل ويظلّ التوتر قائماً في نفسه حتى يبلِّغ ما يتوصلُّ إليه من اكتشافات وحلول ونتائج إلى غيره من الناس، ولاسيما إلى معلمه.

ويوصف هذا النوع من التعلم بأنه إبداعي؛ لأنه يتضمن إنتاج معلومات، واكتساب مهارات جديدة بالنسبة إلى المتعلِّم، وقد تكون هذه المعلوماتُ والمهارات قابلةً للتعميم في المواقف المماثلة، وقد تكون مدهشةً للمتعلِّم بالنسبة إلى ما كان معروفاً لديه، كما قد يكون الحلُّ نادراً إحصائياً أي: غير شائع، وهكذا يمكن عن طريق التعلُّم الإبداعي التعرفُ إلى مستوى الطاقة الإبداعية للمتعلِّم.

ويؤدي التعلم الإبداعي على الصعيدين السيكولوجي والمهاري إلى تحسين مستوى الدافعية واليقظة، وحب الاستطلاع، والتركيز لدى المتعلم، ويزيد من ثقته بنفسه، كما يساعده على الإنجاز، والتعبير عن الأفكار والأحاسيس بطلاقة وجرأة، وبطريقة مبدعة، ويقلِّل من تصرفاته غيرِ المنتِجة.

ويمكن تلخيص أهم النتائج الإيجابية المترتبة على التعلُّم الإبداعي بالنسبة إلى المتعلِّم بما يلي:  

 - حبُّ المتعلِّم للاستطلاع، ورغبته في المعرفة إزاء عدم اكتمال المعلومات المتاحة له، أو إزاء تناقضها، أو عدم الانتظام فيها، أو غير ذلك

 تبسيطُ ما هو معقّد، وتشخيصُ الصعوبات من خلال قيام المتعلِّم بتشكيل المعلومات الموجودة لديه في تركيبات جديدة، أو تحديد الثغرات الموجودة فيها.

- التفكيرُ الإكمالي بإضافة تفصيلات مختلفة إلى معلومات موجودة أصلا، أو سدِّ الثغرات والنقائص فيها، أو إنتاجِ حلولٍ جديدة لمشكلة ما  .

وأخيراً، ما أحرانا بعد هذا العرض أن نكرِّس مفهومي التعليم الإبداعي، والتعلُّم الإبداعي، وأن نطبّقهما في مدارسنا، وجامعاتنا، ومؤسساتنا التربوية؛ ليكونا العُمدة في العملية التعليمية –التعلمية، تلك العملية التي بات يتوقّف على نجاحها تحقيقُ التنمية الشاملة للمجتمع في ميادين الحياة كافة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عدنان كزارة