تجّار الأزمة بين الحق والباطل

العدد: 
14410
أحد, 2015/11/22

في هذه الأيام التي تمر بها مدينتي العظيمة حلب الصابرة حيث الحصار والاستهداف للبشر والشجر والحجر، رأينا كيف طفى على سطح المجتمع من جديد تجَّار الأزمة الذين أخذوا يستغلون حاجات الناس ويحتكرون البضائع اللازمة للعيش؛ كيف أنهم لم يرحموا الضعفاء؛ واهتموا بالربح المضاعف ضاربين عرض الحائط بكل القيم الدينية والإنسانية، وقد أنساهم سفههم أن سفينة الآجال جارية، وأحمال الأموال غارقة في قاع بحار الدنيا.

كأن ذلك المال الذي يؤذون الناس لجبايته سيتسبب في تخليدهم أو تغيير مصيرهم؛ وقد نسوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول ابن آدم مالي مالي قال وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت) رواه مسلم.

الحقيقة كما هو مأثور عن سيدنا علي بن أبي طالب من شعره حين قال:

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها...إلا التي كان قبل الموت بانيها

فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنهُ...وإن بناها بشرٍّ خاب بانيها

أموالنا لذوي الميراث نتركها...ودورنا لخرابِ الدهرِ نبنيها

وفي هذا السياق نورد حكايةٌ مما أخرج ابن عساكر الذي قال: صحب رجل عيسى ابن مريم، عليه السلام فانطلقا فانتهينا إلى شاطئ نهر، فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين وبقي رغيف. فقام عيسى إلى النهر يشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف. فقال للرجل: من أكل الرغيف؟ قال: لا أدري! فانطلق معه فرأى ظبية معها خشفان "ظبيان صغيران"، فدعا أحدهما، فأتاه فذبحه وشواه وأكلا ثم قال للخشف: قُمْ بإذن الله فقام وعاد إلى حيث الظباء، فقال عيسى للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف؟ قال: لا أدري! ثم انتهيا إلى البحر، فأخذ عيسى بيد الرجل، فمشى على الماء ثم قال: أنشدك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟ .

فقال: لا أدري. ثم انتهيا إلى مفازة وأخذ عيسى تراباً وطيناً فقال: كن ذهباً بإذن الله. فصار ذهباً، فقسمه ثلاثة أثلاث فقال: ثلث لك، وثلث لي، وثلث لمن أخذ الرغيف. قال: أنا أخذته. قال: فكُلُّهُ لك وفارقه عيسى، فانتهى إليه رجلان فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه قال: نقسم الذهب بيننا أثلاثاً، فابعثوا أحدكم إلى القرية يشتري لنا طعاماً. فبعثوا أحدهم فقال الذي بُعِثَ: لأي شيء أقاسم هؤلاء المال، ولكن أضع في الطعام سُماً فأقتلهما. وقال ذاك: لأي شيء نعطي هذا ثلث المال، ولَكِن إذا رجع قتلناه. فلما رجع إليهم قتلوه وأكلا الطعام فماتا. فبقي ذلك المال في المفازة، وأولئك الثلاثة قتلى عنده.

هذه الحكاية تعيد إلى الأذهان أنه ما من شيءٍ يستحق الكذب والخداع والجشع فالرزق مقسوم فليكن حلالاً، والأجل محتوم فليكن في طاعة الله تعالى، المال ليسَ لأحد إنه يبقى بعد صاحبه فلِمَ نجعلُ أنفسنا تُحاسَب على شيء لا نملكه حقيقةً.

ما أحوجنا وما أحوج تجّارنا في هذه الأيام إلى ترك الاحتكار وسلوك سبيل الإيثار، لعلنا نرضي ربنا ونرقى بمجتمعنا؛ ولقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أثنى على الأشعريين فقال: (إن الاشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم) رواه الشيخان.

فيا ربنا أكرمنا بالأمن والأمان، والرخاء والاطمئنان، وأعد علينا عوائد رضوانك، وأفض على بلادنا من فيوضات إحسانك؛ ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا جشعاً واستغلالاً؛ استأصل الفساد وأكرم العباد، يا أكرم الأكرمين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة