الكتاب وأزمنة الفتن!!

العدد: 
14412
ثلاثاء, 2015/11/24

نحن في أزمة ..وبمعنى أدق نحن في أزمنة المحن والفتن التي لا راد لها إلا الله على المستوى الغيبي لكنما هذا لا يعني التقوقع انتظاراً للفرج لأن بارئ الأكوان رسم قوانين صارمة للأمم تجنباً للسقوط في المحن والفتن والتأزمات الكبرى .

فنحن نعلم علم اليقين أن الآخر وضعنا فيما نحن فيه بخطوات وإجراءات مدروسة حصادها توليد المصائب والتأزمات التي نكتوي بنارها ، ولئلا نقع في التفصيلات اللامتناهية دخولاً في الأسباب المباشرة لما نحن فيه علينا تلمس الأسباب غير المباشرة للفتن والتأزمات التي تطالنا ليلاً ونهاراً على طول امتداد الجغرافيا العربية والإسلامية وسنجد الجواب واضحاً ومتمثلاً في القصور العقلي وعدم الوعي المعرفي وبشكل عام وجازم بعدنا عن الكتاب.

وسواء أكان الكتاب الورقي مهدداً بالموت بعد التطورات المذهلة للمعلوماتية أم أنه سيحافظ على حضوره فالأمر سيان لأن الإشكال ليس في الكتاب الورقي وإنما في بعدنا عن القراءة والمعارف والعلوم بأية وسيلة كانت والمهم أن نتقن أبجديات الحضارة بعلومها وآدابها وفنونها بأية وسيلة كانت سواء بالكتاب أو بالمعلوماتية أو بالطاقة أو بالضوء أو بأية وسيلة يمكن التوصل إليها مستقبلاً ولنتفق مجازاً على اعتماد مصطلح القراءة والكتاب أسلوباً لاحتضان المعرفة .

أمة اقرأ لا تقرأ وهذا هو السبب الأول والأخير لما نحن فيه فإن المراقب لحركة التأليف والترجمة والنشر في الجغرافيات العربية التي يقطنها أربعمائة مليون نسمة لا تشكل نسبة القراء فيها إلا القليل مقارنة مع عدد القراء في دولة لا يقطنها سوى ستة ملايين نسمة مثلاً أما على صعيد الترجمة إلى العربية فيفيد التقرير الذي نشر عام 2002 أن العرب يترجمون سنوياً بحدود 330 كتاباً أي خمس ما يترجمه اليونانيون وكل المترجمات إلى العربية تترجمه اسبانيا في عام واحد وذلك لبعدنا عن الحس الثقافي وعزوفنا عن مصاحبة الكتاب الذي اعتبره شاعر العرب الأكبر أبو الطيب المتنبي (خير جليس في الأنام كتاب) وقبل طرح مشكلة عدم مزاولتنا لصحبة الكتاب التي تتحدد بالتخلف الاجتماعي والعقلي الذي يتلبس أبناء الأمة التي تعود جذورها إلى أبي عثمان عمر بن بحر الجاحظ الذي تغزل بالكتاب وإلى الأفذاذ أمثال الطبري والباقلاني والكندي والفارابي وابن سينا والتوحيدي ومن هم في نسقهم من العظماء يوم كنا أولي قول فصل في مسارات الأحداث وكنا أساتذة أوروبا التي أنجبت الكاتب الفرنسي أناتول فرانس القائل في كتابه(حديقة أبيقور) "أنا لا أستطيع أن أتصور إنساناً لا يقرأ" وهو في مقولته هذه كان يجسد أبجديات القرآن الكريم التي نسيناها نحن حملة القرآن وغدونا بذلك كبني إسرائيل ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً) وهذه بعض الأسباب في بعدنا عن الكتاب :

1-عدم وجود بيئة راقية تحترم الكتاب وقارئه ويكفي أن أضرب مثلاً على ذلك أنهم كانوا يصفون من يجمع في بيته كتباً ويقرؤها  كالذي يجمع الطيور ويربيها وأنا شخصياً كنت أوصف بذلك من قبل من حولي رحمهم الله .

2-إعطاء التعليم والشهادات صفة مصلحية محضة ، فالطالب وأهله يسعون إلى حصول ابنهم على شهادات مختلفة ليؤمن مستقبله المعيشي ليس إلا .

3-عدم اهتمام المرجعيات الدينية والسياسية والعشائرية بالكتاب والكتّاب إلى حد الإهمال .

4- سيطرة الإعلام الاستعماري بشكل مباشر وغير مباشر على الحضور الاجتماعي كلاً وتفصيلاً .

أما وقد تعرفنا على بعض الأسباب التي تحول دون وجود جيل قارئ فلا بد من التنويه إلى بعض المعوقات أمام من يريدون مجالسة الكتاب ويمكن اعتماد ثلاثة أسباب عامة كعدم تيسر الكتاب لهؤلاء الشباب الفقراء بحكم ارتفاع ثمنه وفقاً لدخلهم الضئيل إضافة إلى عدم وجود الوقت الكافي لهم لأنهم مشغولون بمطاردة لقمة العيش وأخيراً عدم لجوء الجهات التعليمية إلى زرع حب الكتاب لدى الأجيال من الروضة إلى الابتدائي والإعدادي والثانوي وصولاً إلى الجامعة .

 والتأريخ الطويل لمسيرة الكتاب يحتضن المعجزات بدءاً من التوهج الحضاري في سورية والهلال الخصيب وصولاً إلى الإغريق الذين اعتمدوا على التجربة السورية وتجاهلوا تتلمذهم عليها مروراً بالتجربة الحضارية العربية الإسلامية التي كانت منارة للبشرية جمعاء في العصور الوسطى وانتهاء بتجربة الحضارة الغربية التي خلعت رداء التحضر ولبست رداء المدنية إيذاناً بنهايتها.

لكنه يحتضن الويلات أيضاً بدءاً من التعصب الديني الذي كان يحرّم الفلسفة والعلوم فكان يتم إتلاف الكتب حرقاً أو دفناً في التراب أو إغراقاً في الأنهار والبحار بدءاً من الإمبراطور الصيني (شي هونغ تي) الذي أحرق عام 212 ق.م كتب الدراسات الفلسفية والعلمية وطارد العلماء والفلاسفة والأدباء في جبال الصين وصحاريها وصولاً إلى إحراق الكتب في بعض فترات التاريخ العربي الإسلامي التي اعتلى فيها السلطة حكام متعصبون أو أميون كإحراق مؤلفات ابن رشد وابن حزم وما تم في القارة العجوز أوروبا من إحراق العلماء وإعدامهم وانتهاء بحرق أدولف هتلر المؤلفات المضادة لرؤيته الحمقاء عام 1933.

والآن أستطيع القول بمزيد من الحسم: إذا كان السؤال مفتاح جغرافيات الوعي المعرفي والحوار مساراته المعقلنة فإن الكتاب الورقي أو المعلوماتي هو خزائنه الكبرى .

ألا هل بلّغت ؟.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد