المدنية الغربية كإشكال حضاري 1/2

العدد: 
14418
اثنين, 2015/11/30

للدفق الحيوي كما للخمود السكوني دور كبير في حياة الأفراد والجماعات والأمم سلباً وإيجاباً ، هذا ما استقرأته عبر تجوالي في رحاب الأفكار والحضارات ومسار التاريخ لدرجة أجدني فيها أنفي حتمية التاريخ نفياً حاسماً كما نفى العالم هايزنبرغ الحتمية في الطبيعة عبر نظريته في اللاحتمية وعلائق الارتياب . وهذا ما يجعلني أرى أن الوصول إلى أكبر قدر من الحقيقة يكمن في إدراك ما يمكن إدراكه من كتابي الله المخلوق والمقروء .. أي الكون والقرآن ، فالغرب ركز جهوده على التفاعل مع كتاب الله ، المخلوق محقق إيفاداً لا مثيل له في العلوم الطبيعية والإنجاز الصناعي والتمدن ، والعرب المسلمون انكبوا على كتاب الله المقروء ( القرآن ) فحققوا ما حققوا من منجزات في العلوم الفقهية والكلامية لكنهم لم يركزوا على الجانب الآخر منه ، عنيت بذلك توجيهه وبمزيد من الحسم تلقاء الكون كما في الآية 190 - 191من سورة آل عمران ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ، ربَّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ) .

والقرن الواحد والعشرون امتداد حتمي ووريث شرعي للقرن الفائت ، ولهذا حمل كل أو معظم مواصفاته سلباً وايجاباً . فهو قرن البغاء بقدر ما هو قرن المعلوماتية وفيزياء الفضاء ، قرن التحرر والانعتاق بقدر ما هو قرن العبودية والاستلاب ، قرن التسيب والضياع بقدر ما هو قرن النظم السياسية والإدارية والاقتصادية ..

عجيب أمر هذا القرن المخيف بكل جوانبه بقدر ما هو مرعب بكل توجهاته وبشكل يمكن القول .. اتسم هذا القرن بضرب من التأكيد على الحب والحقد .. على تحرير الشعوب وقمعها .. على لوائح القيم الأخلاقية كما على أخلاقية الشر بكل صيغها ، ولهذا يباع الإنسان ويشرى آلاف المرات ، حكمه في ذلك حكم سلعة بخسة أو جثة خامدة ما لها من فواق ، وأقرب صورة إلى استفحال أخلاقية الشرور واقع الحال في العالمين العربي والإسلامي ، ويتجلى الشر كله فيما يعانيه الإنسان السوري وكل جغرافيات الهلال الخصيب الذي كان منبع الحضارة وترياقها للبشرية جمعاء حتى أجمع العالم كله على اصطياده كما تصاد الوحوش الضواري كما أجمع على التأكيد ( أن على كل إنسان متمدن في العالم إن يقول ان لي وطنين ، وطني الذي أعيش فيه وسورية ) وفق تعبير أندريه بارو مدير متحف اللوفر بفرنسا .

فكيف يحل هذا الإشكال في رؤية الغرب السياسي ؟!

اسمحوا لي بمتابعة المسير ...

إن تساؤل الإنسان عن موقعه في العالم يفرض عليه التساؤل عن ماهية التجربة الإنسانية الحديثة بقواعدها وخلفياتها ومستقبلها ، ودراسة هذه التجربة تقوده إلى الوقوف تأملا وتحليلاً لتجربة الانحلال والسقوط التي يراوح تحت وطأتها أبناء الأزمنة المعاصرة ، وإذا كان منطق التاريخ يؤكد حتمية التلازم بين المدنية والسقوط ، فهذا يعني وصول البشرية إلى التوقف أمام إشكالية الطريق المسدود ، وبالتالي إذا كان العالم ولوائح القيم والإنجازات الإيجابية عناصر أساسية لكل منطلق حضاري ، فلا بد لحضارة المستقبل من تفعيلها من منطق كوني وإنساني على السواء .

انطلاقاً من ذلك تساءل المتسائلون : كيف يصار إلى إنقاذ المدنية الغربية من الانحلال والتردي تجاوزاً لكل عقبات الطريق المسدود ؟!

وأكاد أميل إلى التأكيد بأن معظم الإجابات كانت بمثابة فرضيات أفرزتها الرؤى الثقافية والعقائدية القارة العجوز ( أوروبا ) ووريثتها القارة الجديدة ( أمريكا ) . ولعل أهم من تصدوا لهذه المعضلة  العسيرة وقدموا إجابات متفاوتة حيناً ومتقاربة حيناً آخر أمثال جيبون  واشبنغلر وتوينبي وديورانت .. ولم يتمكنوا من الخروج من عقدة المركزية الأوروبية أو المركزية الغربية وتفخم الأنا وتسرطنها مع إشارة إلى ضرب من التزحزح  لدى ارنولد توينبي صاحب نظرية الرجع والتحدي في ميلاد الحضارات ، والإشارة إلى رؤية المفكر الفرنسي رومان رولان القائل بأن النور سيبزغ من الشرق . وأعتقد أنه لا بد لنا من التنويه إلى الرؤيتين الأمريكيتين في فلسفة الحضارات وانحلالها ، وهما رؤية فوكوياما في نهاية التاريخ وامبراطورية العولمة التي ستكون الدولة الكونية للشرق والغرب بأسس ومفاصل غربية أمريكية ، وهي لا تستحق الدراسة لأنها فقاعة أثبتتها أمور كثيرة على رأس الهرم منها نهاية القطب الأحادي للعالم ممثلا بالولايات المتحدة .

أما رؤية صامويل فنتجتون بصدام الحضارات فلا جديد فيها على الإطلاق لأن تاريخ الأمم يقصها علينا باستمرار ، ويتساءل فنتجتون في الصفحتين 477 -488 من كتابه ( صدام الحضارات ) : فيما إذا كانت الحضارة الغربية من نموذج أحادي غير قابل للمقارنة مع النماذج الحضارية الأخرى ، وأن شموليتها العالمية كفيل بإنهاء الحضارات الأخرى ؟ ويسارع إلى القول : ( يميل معظم الغربيين ، وهذا طبيعي إلى الإجابة عن السؤالين بالإيجاب ، وربما كانوا على حق ) وينتهي في الصفحتين الأخيرتين من كتابه إلى التأكيد ( في صدام الحضارات سوف تتساند أوروبا وأمريكا معاً ، أو تتساند كل منها على حدة في الصدام الأكبر ، الصدام الكوني بين الحضارة والبربرية ، حضارات العالم الكبرى بكل إنجازاتها  في الدين والأدب والفن والفلسفة والعلم والتكنولوجيا والأخلاق والتراحم ) . ( في الحقيقة الناشئة ، صدام الحضارات هو الخطر الأكثر تهديداً للسلام العالمي والضمان الأكيد ضد حرب عالمية هو نظام عالمي يقوم على الحضارات ) ص 520 – 521 كتاب صدام الحضارات .

إذن يجد نفسه المفكر الأمريكي صامويل فنتجتون منساقاً إلى الإقرار بأن لا خلاص للبشرية إلا بالركون إلى المعطى الحضاري بكل تشكلاته الكونية ، ولكن وفقاً لما هو ماثل على الصعيد العالمي الآن ومن قبل غير قابل للتهادن إذا لم نقل إلى التحابب والتسامح .

ووفقاً لإيقاع العصر يبرز التساؤل المشبع قلقاً وتشاؤماً : إلى أين المصير ؟! .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد