التفاؤل بين الإعجاز والإنجاز

العدد: 
14692
ثلاثاء, 2016/08/30

تفاءل بنا يا أيها الكون إننا...بُناةٌ لأمجادٍ وقهرٌ لحاسدِ

نعيشُ فلا نَرضى المذلَّة في الدُّنا...وما حُنِيت منّا الرؤوس لحاقدِ

التفاؤل في مصطلح عصرنا ضد التشاؤم وهو طلب الفأل الحسن وعندما يتجوّل الإنسان في القرآن الكريم بحثاً عن المعاني التي تبعث الأمل والتفاؤل في القلوب سيقف لا محالة عند قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وكذلك قوله تبارك وتعالى: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} وقوله سبحانه: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} [سورة البقرة] .

كما وسيجد الإنسان في القرآن الكريم الحثّ الشديد على عدم الركون للتشاؤم عبر اليأس والقنوط في قوله تعالى :{ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} وقوله سبحانه:{ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: ] وقوله جل جلاله: {قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم} .

ولا ريب أن التفاؤل من الصفات النبيلة والخصال الحميدة التي منّ بها ربنا سبحانه على الشعور البشري، بل وزيّن بها أنبياءه الكرام عليهم الصلاة والسلام، من ذلك ما نستقرئ في سيرة السيد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان صلى الله عليه وسلم متفائلاً في كل أموره وأحواله، في حلِّه وترحاله، في حربه وسلمه، في جوعه وعطشه، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أنه في أصعب الظروف والأحوال يبشر أصحابه بالفتح والنصر على الأعداء.

فمن تلك المواقف ما حصل له ولصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهما في طريق الهجرة حين أويا إلى الغار، والمشركون يبحثون عنه في كل مكان، ويقفون على فوهة الغار؛ فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً صاحبه وهو في حال ملؤها التفاؤل والثقة بالله تعالى: (لا تحزن إن الله معنا ) ، فعن أبي بكر رضي الله عنه قال : ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما ) متفق عليه.

وفي يوم هجرته إلى المدينة المنوّرة باحثاً عن مأمناً له ولأصحابه؛ يطارده سراقة بن مالك ويريد الإمساك به وتسليمه للمشركين مقابل عطية سينالها من قومه ، ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لقد بشّر ذلك المُطارد له بسواري كسرى ، فقلب الضعف قوة وثقة بالله تعالى؛ أليس هذا من أعظم الدروس التي تؤكد على التفاؤل؟ .

ومن ذلك تفاؤله صلى الله عليه وسلم بالنصر في غزوة بدر، وإخباره صلى الله عليه وسلم بمصرع رؤوس الكفر وصناديد قريش.

ومنها تفاؤله صلى الله عليه وسلم عند حفر الخندق حول المدينة، وذكره لمدائن كسرى وقيصر والحبشة، والتبشير بفتحها وسيادة المسلمين عليها.

إذن فرسولنا صلى الله عليه وسلم من صفاته التفاؤل، ونحن مأمورون باتباعه والاقتداء به، فقد قال ربنا تبارك وتعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } [الأحزاب:21] 

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الصالح ويكره التشاؤم، ففي الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة ) متفق عليه ، والطيرة هي التشاؤم  وإِنما أَحبَّ النبي  صلى الله عليه وسلم الفَأْل الصالح لأَن الناس إذا أَمَّلوا فائدةَ الله ورجَوْا عائدَته وفضله عند كل سبب ضعيف أَو قويٍّ فهم على خير، ولو غلِطوا في جهة الرجاء فإِن الرجاء لهم خير، وإذا تتبعنا مواقفه صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله، فسوف نجدها مليئة بالتفاؤل والرجاء وحسن الظن بالله، بعيدة عن التشاؤم الذي لا يأتي بخير أبداً.

وكثيرةٌ هي الآيات والأحاديث والأخبار في مخزوننا الديني والفكري التي تُضفي على القلوب الطمأنينة والثقة بما عند الله تعالى .

ونحن في حلب الشهباء خاصة وفي سورية عامة ما أحوجنا إلى أن نستذكر هذه المعاني في خضمّ هذه الحرب الشعواء التي شنّها علينا أعداء الإنسانية ، أعداء النور، أعداء الحضارة ، لنقوي الإيمان ولنجعل من قلوبنا خزان التفاؤل الأعظم والأكبر ليس فقط لشعبنا بل لكلّ البشرية جمعاء.

إننا في وطننا العظيم نحيا التفاؤل بين إعجازات الصمود الأسطوري، وإنجازات النصر البطولي، بين معجزة الشعب بصموده وإنجازات جيشنا الباسل في جبهات القتال .

نعم التفاؤل، ذلك السلوك الذي ينسج به الرجال أشرعةً لسفن أفعالٍ تمخر بحار المجد والكرامة؛ إنه الشعور الذي يُنير للناس ظلمات الظروف وحوالك الكروب ، إنه السبيل الأمثل للتخلص من ضيق الواقع لصُنع واقعاً جديداً يُبدد الأزمات ، فبالتفاؤل توجد الحلول وتتبدد المصاعب.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة