الحج بين السياسة والدين

العدد: 
14696
سبت, 2016/09/03

يقول تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا".

تتوج تأدية مناسك الحج بالعيد الكبير كما يسميه العامة أو عيد الأضحى المبارك، ويقدّم حجاج بيت الله الحرام الهدْي ( الأضاحي) إتماماً لمناسكهم.

السوريون وحدهم ممنوعون من الحج إلى بيت الله الحرام وتقديم الهدي منذ سنوات عدّة في هذه الظروف التي تمر بها الأزمة السورية، وهذا يثير سؤالاً في منتهى الأهمية:

هل يحق لدولة شاءت التقسيمات الغربية والدعم الاستعماري أن تكون الأراضي المقدسة في أراضيها حيث تقام شعائر الحج ويفد إليها الحجيج أن تمنع شعباً بأكمله من المجيء إلى الكعبة المشرفة لتأدية فريضة الحج؟

بل هل يحق لها أن تمنع أي مسلم في العالم من أن يؤدي مناسك الحج الذي هو واحد من أركان الإسلام بحجج واهية، ودعاوى سياسية كاذبة، ومن زيارة الحرمين الشريفين؟

يقول تعالى: " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه"  (البقرة 114).

إن اعتبار الأماكن المقدسة الإسلامية في الحجاز ملكية خاصة للدولة التي تقع هذه الأماكن في أراضيها هو أمر في منتهى الخطورة ، وهو خروج تام عن الإسلام وتعاليمه وأهدافه.

ولا أدري لم لا يحرك المسلمون في أنحاء الأرض ساكناً حول أمر خطير كهذا ويدعون – وهذا ضرورة – إلى أن توضع الأماكن المقدسة الإسلامية في الحجاز تحت إشراف إسلامي ويكون لها وجودها الديني والسياسي المستقلين عن تحكم المدّعين بالإسلام وهو براء من مثل هذه التصرفات البعيدة عن روح الدين؟

منذ أن أقام إبراهيم الخليل مع ابنه إسماعيل عليهما السلام دعائم البيت الحرام والحجاج يتوافدون للحج من مختلف أصقاع الأرض.

يقول تعالى: " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍّ عميق* ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معدودات" (الحج 27)

في الجاهلية وبالرغم من اختلاف أديانهم وإيمانهم فمنهم الوثنيون ومنهم الأحناف ، لم يجرؤ أن تمنع أية قبيلة أحداً من الحج إلى بيت الله الحرام ، وحتى المسلمون في عهد الرسول (ص) في بداية انتشار الإسلام جاؤوا إلى مكة لأداء العمرة، وكانت مكة بيد المشركين من قريش لم يجد المشركون حجة لمنعهم، وتم الاتفاق بعد صلح الحديبية إلى أن يعود المسلمون في العام التالي لأداء مناسكهم.

حتى المشركون في الجاهلية قبل الإسلام لم يمنعوا أحداً من الحج، وكانت قريش سيدة مكة، وقبلها خزاعة، تستقبل الحجاج بحفاوة وسخاء وكان بنو هاشم بن عبد مناف يقومون على خدمة الحجاج وإطعامهم على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم وأطيافهم ، وكانت الحرب تتوقف في الأشهر الحرم - أشهر الحج – وجاء في القرآن الكريم: "الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" ، قال "الطبري": "اختلف أهل التأويل في قوله: الحج أشهر معلومات. فقال بعضهم: يعني بالأشهر المعلومات: شوالاً وذو القعدة، وعشراً من ذي الحجة، جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة،

وكان الحجاج وفيهم المشركون الوثنيون يرفضون البيع والشراء خلال تأدية مناسك الحج ويعتبرون ذلك إثماً، حتى نزلت الآية الكريمة في تحليل التجارة والبيع والعمل فيه.

عن ابن عباس (ر) قال: كان عكاظاً، والمجنّة، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية (وهي قريبة من بعضها) فتأثموا (أي الحجاج) أن يتّجروا في المواسم (أي مواسم الحج) حتى نزلت الآية" ليس عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم" (البقرة 198) أي في مواسم الحج.

وكان الجاهليون يستعدون للحج عند حضورهم موسم "سوق عكاظ". فإذا انتهت أيام السوق، وأراد منهم من أراد الحج، ذهب إلى "مجنة"، فأقام بها إلى هلال ذي الحجة، ثم ارتحل عنها إلى "ذي المجاز"، ومنه إلى "عرفة"، فإذا كان يوم التروية، تزودوا بالماء وارتفعوا إلى عرفة.       

وقد ميزّ الشهر الذي يقع فيه الحج عن الأشهر الأخرى بتسميته بشهر ذي الحجة وبـ "شهر الحج" ، وذلك لوقوع الحج فيه ،وهذه التسمية المعروفة حتى الآن في التقويم الهجري، هي تسمية قديمة، كانت معروفة في الجاهلية، وردت في نصوص الجاهلية، فبين أسماء الأشهر الواردة في نصوص المسند (الخط اليمني)  اسم شهر يعرف بـ "ذ حجتن" أي "ذي الحجة"، ويدل ذلك على أنه الشهر الذي يحج فيه وقد وردت كلمة "حج" في نصوص المسند كذلك.

وأيام الحج منذ الجاهلية هي أيام حُرم لكونها أياماً دينية ينصرف فيها الإنسان إلى أداء مناسك الحج، ولذلك تعدّ أعياداً، يعمد فيها الناس، بعد إقامتهم الشعائر الدينية المفروضة وبعد أدائهم القواعد المرسومة، إلى الفرح والسرور وتعييد بعضهم بعضاً.

وتذكرنا الأضحية في عيد الأضحى المبارك بفداء إسماعيل (ع) حيث رأى أبوه إبراهيم الخليل (ع) أنه يذبحه، ورؤيا الأنبياء صادقة ، ولما همَّ بذلك افتداه الله بكبش سمين  وكان هذا درساً وإعلاناً جازماً على نهاية تقديم الذبائح البشرية والتي كانت معهودة في العهود الوثنية تقرباً للآلهة.

وفي الحج يُحرِم الحجاج فيخلع الناس ثيابهم وذنوبهم ويرتدون ثياب الإحرام، وكانت هذه العادة سائدة في الجاهلية وكانوا يقصدون من طرحهم ثيابهم طرحهم ذنوبهم معها، ويذكَرون أنهم كانوا يقولون: "لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب "، "ولا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها" ويقولون "ولا نطوف في ثياب عصينا الله فيها ".

كان رجال مكة يقومون بالإنفاق على المحتاجين، وعدّوا ذلك ديناً ومروءة وشهامة، وجعلوا الصدقة وإطعام المحتاج من أمور الدين، وقد اختص بنو عبد مناف سدنة الكعبة المشرفة برفادة الحجاج يقول مطرود بن كعب الخزاعي في رثائه عبد المطلب زعيم بني هاشم بن عبد مناف  آل  النبي (ص) :

يا أيها الرجل المحول رحـلـه       هلاّ نزلت بآل عبـد مـنـاف

هبلتك أمك لو نزلت علـيهـم   ضمنوك من جوع ومن إقرافّ 

الآخذون العهد من آفـاقـهـا     والراحلون لـرحـلة الإيلاف

المفضلون إذا المُحول ترَادفَت   والقائلون هَلـمَّ لـلأضـياف

والخالطون غنيهم بفقـيـرهـم      حتىّ يكون فقيرهم كالكافـي

أما اليوم فيتخذ سدنة الكعبة الجدد الحج وسيلة للكسب وإرهاق حجاج بيت الله الحرام بالضرائب والمكوس وقد خلطوا الدين الحنيف بالسياسة واعتبروا الكعبة المشرفة ملكية خاصة للدولة، وزادوا على ذلك السماحَ لمن يريدون ولمن يمالئهم سياسياً بالحج، والمنعَ لمن يكرهون ممن يبتغون فضلاً من الله بتأدية واحد من أهم أركان الإسلام.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي