المرأة .. ذلك اللغز الأبدي

العدد: 
14705
اثنين, 2016/09/12

ليس الربيع فصل الحب للناس والأشجار والأزهار فحسب ، وإنما هو ميقات الحب للثلوج وقطع الجليد . فما إن تلامسها أشعة الشمس مع إطلالة الربيع حتى تبدأ بالذوبان . وبما أن صيغة الحب لديها هي الخروج من إطارها التراكمي على ذاتها ، فهي تسارع بالذوبان واختراق ما حولها من الأتربة لحقن الأشجار والأزهار .. وذلكم هو الحب الكبير للماء والنبات معاً .

وأنا إذ أتطلع إلى الحب الكبير فعلي أن أذوب لأنه من الاستحالة بمكان أن أجمع بين الحب والوجود ، فيتمركز مصيري بين وجود بلا حب أو حب بلا وجود .. لذا يكمن قدري في الذوبان اللانهائي .. وقد اكتشف المتصوفة هذا الحب الكبير وعلى رأس الهرم منهم الحلاج والنفّري وابن الفارض في قصيدته التائية الكبرى التي استوحاها منه الشاعر الإيطالي الكبير ألجيري دانتي ، كما تأثر دانتي بابن عربي الذي قدم لنا وللبشرية إيقاعاً في الحب يعتبر من أقدم فلسفات الحب في التاريخ . ورحلة الغناء في الحب الإلهي في التصوف الإسلامي هندسة كونية للحب الكبير .

الحب بالنسبة للثلوج والجليد هو تماس وتواصل مع أكبر مساحة ممكنة من الطبيعة لأن لكل كائن أبجدياته على صعيد الحب ، وبما أن الأنوثة على المستوى الكوني هي التركيز الكلي للخصوبة لذا أجمعت الأساطير السورية على القول بأنها خلقت من أمشاج مختلفة تحمل كل إمكانيات التجانس والتناقض .. فوجهها من استدارة القمر وعواطفها من النار ، وعدوانيتها من مخالب القطط كما قد تكون أحياناً من شراسة النمور وإخلاصها من وفاء الكلاب ، وطعمها من عسل النحل وعيونها من نجوم الليل ورونقها من تيجان الورود ورائحتها من شذى الياسمين وبعض أغوارها من أعماق المحيطات وجاذبيتها من مغناطيسية الحياة وعطاؤها من دفق الينابيع إلى آخر ما هنالك من أوصاف تزيد وتكثر حسب الأساطير .

ولطالما تساءل المتسائلون والأحبة والعاشقون من قبل ، كما سيتساءلون من بعد : أيصح أن نعتبر الأنثى أنموذجاً إنسانياً قائما بذاته ؟ فهي لولا الذكورة لما وجدت . لأن المشيئة الإلهية تتجسد في كون البشرية لا تحقق شرطها الإنساني إلا بالتزاوج والتوالد بين الذكر والأنثى .

وهنا تكمن الحكمة وفصل الخطاب .

فإذا كانت الآداب والفنون وليدة الانفعال فإن المرأة هي الرحم الحقيقي لكل انفعال عبقري ولعل هذا ما جعل منها عربون خصب لكل دفق إبداعي . وهكذا لم تعد المرأة بالنسبة للرجل رمزاً للمعنى الجمالي فحسب ، وإنما هي ترميز للذكاء والدهاء والانسجام إضافة إلى الحس الجمالي على طول امتداد التاريخ الحيوي للبشرية .

تفيد الأساطير الدينية بأن حواء كانت تفاحة آدم ، ولكن الوحي السماوي الذي أنزل على إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وعلى كل النبيين لم يؤكد هذه المقولة السائرة على مدى الأزمنة .

وبين أيدينا الآن الوحي القرآني الذي لا يتطرق الشك إلى مصداقيته ، حيث تتوضح كيفية خلقها في قوله تعالى ( خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ) الآية 189 سورة الأعراف وهناك مقولة سائدة بأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم وهذا مرفوض وفق المنطق القرآني والمنطق العقلي ، في حين هناك رواية عن الإمام محمد الباقر بأنها سميت حواء ( لأنها خلقت من ضلع حي ) والمراد بذلك أنها خلقت من ضلع آدم عليه السلام والله أعلم .

ولطالما تصادمت آراء الفلاسفة والمفكرين والأدباء وعلماء الاجتماع إزاء المرأة ، فقد اعتبرها فريق منهم ملاكاً يمشي على الأرض واعتبرها فريق آخر شيطاناً يجب الحذر منه وعدم الوقوع في شباكه ، بينما اتخذ آخرون موقفاً حيادياً لشعورهم بالعجز عن تحديد موقف نهائي أو تشكيل رؤية دقيقة تجسد بنية تركيبتها النفسية والعقلية ، في حين أصر آخرون بأنها أبعد ما تكون عن القاعدة الذهبية أي الوسطية في آرائها وتوجهاتها وأنها إما أن تحب أو تكره ، لأنها تكره بلا حساب وتحب بلا حساب وهذا يعني أنها تتبع أهواءها ولا تعرف إلى العقلنة سبيلاً .. وقد ذهب الأديب والمفكر الإنكليزي برنارد شو إلى القول ( إن أحب شيء إلى المرأة هو جرح غرور الرجل ، بينما أحب شيء إلى الرجل هو إرضاء المرأة ) وهذا يعني اعتبار المرأة عدوانية توجهاً تلقاء التهشيم لكرامة الرجل إذا كرهته ، إضافة إلى أن الرجل يشعر بقوته فيغدق رحمته على الأنثى .

وهناك باحثون غربيون توجوها على رأس الهرم من السلم البشري وأوغلوا في رفعها إلى مستوى لا يكاد يطال فاعتبروها ينبوع الإلهام كالمفكر الفرنسي ايتين جيلسون في كتابه ( مدرسة الآلهات ) الذي نقله إلى العربية الدكتور عادل العوا وقدم له بما يقارب أربعين صفحة تتناسب وعلو شأن المترجم والمؤلف معاً ، وقد تحدث ايتين جيلسون عن فلسفة الحب عبر دراسته لتجربة الحب عند الفلاسفة ( نيتشه وروسو وأوغست كنت والموسيقار الألماني فاغنر ) إضافة إلى عدد كبير من المفكرين والفلاسفة الذين اعتبروا الأنوثة مصدراً أحادياً للإلهام .

وقبل الغرب بآلاف السنين اعتبر السوريون القدماء وأبناء الهلال الخصيب ( عشتار ) آلهة للخصب والعطاء واعتمدوها كقوة خالقة للابتكار والإبداع في الكون كله وأنها الينبوع الذي يخرج منه كل موجود حي .

هناك شاعر سوري من مواليد مدينة صيدا ولا يحضرني اسمه وقد كتب باللاتينية إلى حبيبته ( من العجب أن تشعري بالغربة وأنت في سورية ، أولا تذكرين سورية التي هي بحق مستودع للعبقرية والجمال ؟ ) ولعل شعراء الحب العذري في العهد الإسلامي الأول أمثال قيس بن الملوح وكثير عزة وجميل بثينة وذو الرمة شاعر الحب والصحراء عبروا عن رؤيتهم وكأنهم يقولون لنا .. الحب ظمأ سرمدي لا يحققه ارتواء .

صحيح أن أبا العلاء المعري شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ومن بعده الفيلسوف الألماني آرثو شوبنهاور اتخذا موقفاً عدوانياً من المرأة ، لكل  منهما أسبابه الخاصة وتبقى أحكامهما خاصة بهما .

ولئلا أستمر توغلاً في استقصاء الآراء والمواقف عن الأنوثة أسارع إلى القول بأن المرأة بالنسبة للرجل كظله فإذا طاردها نأت عنه تيهاً ودلالاً وإذا ابتعدت عنه طاردتها لأن كلاً منهما ظل للآخر . وكما أن غضبها لا يطاق كذلك فراق الرجل بالنسبة لها لا يطاق . وكما لا يوجد أسوأ من المرأة الشريرة كذلك لا يوجد أفضل من المرأة الطيبة الخلوقة وهذا ينطبق على الرجل بالدقة مثل انطباقه على الأنثى ولهذا أشك كل الشك في كون المرأة هي أصل الغواية لأن الغواية لا تكون إلا باعتماد الأنوثة والذكورة على مؤهلاتهما للغواية المشتركة ، وفي كل الأحوال يكون أحدهما سالباً والآخر موجباً ، لكنما يتم تبادل السلب والإيجاب بينهما وفقاً لحيثيات التشابك السلوكي فيما بينهما .

ولعل مسك الختام يتمثل في الحديث الوارد عن خاتم المرسلين عليه وعلى أخوته الأنبياء الصلاة والسلام قوله : ( حبب إلي من دنياكم ثلاث .. الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة ) وأنا الآخر اقتداء برسولي أميل كل الميل إلى الأنوثة والروائح الزكية وأعمل جاهداً لأن تكون قرة عيني في الصلاة .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد