مدارج التعليم

العدد: 
14716
جمعة, 2016/09/23

مع افتتاح العام الدراسي الجديد يعود الطلاب إلى مدارج التعلم بشوق وحنين، يلتقون برفاقهم ومجتمعهم المدرسي بفرح غامر ليباشروا مرحلة جديدة في حياتهم.

وعلى الرغم من الأزمة الشديدة التي تعيشها سورية فإنها لم تتخل لحظة واحدة عن مهماتها في تعليم أبنائها وإعدادهم ليكونوا بناة المستقبل وسواعد سورية الحديثة ، ولا بد لهذه الأزمة أن تنجلي ويعود الفرح من جديد نقرأه في وجوه أبنائنا الواردين مناهل العلم والمعرفة.

كم يعجبني وأنا عائد إلى البيت وقت انصراف التلاميذ من مدارسهم أن أرى الأمهات يتجمعن أمام المدارس ليأخذن أبناءهن الصغار ويعدن بهم إلى البيت، لم تمنعهم الأخطار والأحداث من إرسال أولادهم إلى المدارس.

وحكاية التعليم والحض عليه في أوطاننا قديمة، فرسول الله (ص) حض على العلم بقوله: "اطلبوا العلم ولو في الصين" والحديث هذا لا يدعو إلى العلوم الدينية فقط وإنما إلى العلوم العصرية أيضاً.

وها هو رسول الله (ص) يحرص على نشر العلم وتعليم أبناء المسلمين فيجعل فداء أسرى بدر من المشركين تعليم عشرة أطفال من المسلمين ، كما نراه يختار من الصحابة من يجيد القراءة والكتابة ليجعلهم كتّاب الوحي مؤتمنين على النص القرآني.

لقد توسعت سورية في افتتاح المدارس والمعاهد والجامعات على الرغم من الظروف المريرة التي تعيشها، لأنها تدرك أن المستقبل هو للعلم والمعرفة، وأن القضاء على الجهل ومواجهة الفكر المتشدد لا يكون إلا بالوعي التعليمي والمعرفي المفتوح والمتنوع.

وكم يحزنني اليوم أن تكون مناطق خارج مظلة الدولة أغلقت فيها المدارس وانعدم التعليم، أو أنه صار محدوداً محصوراً ضمن رؤى ضيقة تساهم في تجذير التشدد والخروج عن منطق العصر والعقل والواقع.

إن التعلم والتقدم العلمي في سورية عامة وفي حلب خاصة حلقة من سلسلة طويلة تمتد عبر التاريخ. وها هو الملك الآشوري في شبات إنليل بمنطقة الخابور شمشي حدد يكتب لابنه يسمع حدد ملك ماري قائلاً: إن بنات يخدون ليم (وهو الملك السابق) صرن صبايا فدرسهن وعلمهن الموسيقى وأحضرهن معك إلى شبات إنليل.

وفي العهود الأموية والعباسية والمملوكية كانت حلب قبلة المثقفين والراغبين في التعلم والاستزادة من المعرفة، فكان من أراد تحصيل العلم يأتي إلى حلب ويثابر على حلقات التدريس فيها، وكان في الجامع الأموي الكبير شجرة صناعية فروعها وأوراقها تحمل أسماء العلوم التي يود قاصد حلب من طلاب العلوم التخصص بها وتدعى "شجرة الإفادة".

وفي العهد الزنكي توسع افتتاح المدارس في عهد الملك العادل المجاهد نور الدين بن زنكي ، وقد جعل التعليم شعبياً وكان خاصاً بالطبقة الأرستقراطية.

وحتى في العهد العثماني والذي يليه عرفت حلب أسماء معلمين كبار في الآداب والعلوم والمعارف أمثال: الشاعر أبي الوفا الرفاعي والشيخ راغب الطباخ والشيخ كامل الغزي والشاعر والناقد قسطاكي حمصي وغيرهم كثير.

وكان من تقاليد عمارة البيت الحلبي أن تكون في الدار "كتبية" مزروعة في جدار البيت من أصل البناء لتوضع فيها الكتب والمخطوطات.

تدرج التعليم في حلب من شيخ الكتاب إلى أرقى المدارس والمعاهد والجامعات التي نشاهدها اليوم. فحلب كانت وستبقى مدينة العلوم والفنون والمعارف، ولا بد أن تنهض من محنتها وتعود إليها العافية، وترجع واحدة من أهم المراكز الثقافية والعلمية في الوطن العربي.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي