نهاية الفتنة وأوزارها

العدد: 
14724
سبت, 2016/10/01

العدمية منطق ظني وهمي يتعلق باللاوجود لأنها تجاوز مطلق لفيزياء الزمان والمكان والحركة وطواف واهم في الفراغ .

وقد نجد في هذا خير برهان على توصيف السياسات العالمية المتناقضة والمتآلفة في الوقت نفسه ، وهذا ما يجعلني أميل إلى وصمهم بالعدمية لأن ضالتهم الوحيدة التي ينشدونها هي إعادة تشكيل العالم وفق أهوائهم وبمعنى أكثر دقة يتطلعون إلى تدمير العالم من حيث لا يشعرون وبما أن تدمير العالم رهن بالإرادة الإلهية فقط لهذا أعتبرهم عدميين حتى الثمالة .

كل التشكيلات المتقاتلة منذ إطلالة القرن الواحد والعشرين حتى العقد الثاني منه وفقاً للأنظمة الكونية والسنين الإلهية تطوف في الفراغ لأنها تتطلع إلى تقطيع أوصال الزمان والمكان وتعجز عن إيجاد مواطئ أقدام لها على هذا الكوكب السابح في الفضاء ، فمنهم من يرنو إلى إقامة سلبية في الماضي وهذا محال ومنهم من يستهدفون إقامة وحيدة لهم في الحاضر من دون الآخرين وهذا محال أيضاً ولعل شاهد العصر يجد نفسه مطالباً وفقاً للسنن الإلهية وللنواميس الكونية باتخاذ موقف حيادي إزاء كل التوجهات السياسية والإقليمية المتضاربة في عمق العام 2016 من القرن الحالي.

من كان بالأمس راعياً للبقر في القارة الجديدة أمريكا يجد نفسه مسلحاً بقوى مدمرة ولهذا يسارع إلى ادعاء عولمة كونية أو بمعنى آخر يقدم نفسه ممثلاً وحيداً للعالم الأرضي ومن يمتلك قوة تدميرية أدنى من راعي البقر يتطلع إلى إقصاء الآخر عن تطلعاته ولكن بعيداً عن منطق الصراع المعقلن وإنما بتوجهات واهمة ولهذا يسارع كراعي البقر إلى الدمار في أي مكان من الجغرافيات الأرضية .

والعالم العربي الإسلامي يجد نفسه ممزقاً تلقاء هؤلاء وهؤلاء وكأنه لا شيء في ميزان القوى العالمية مع أنه يمتلك كل الصمامات الكفيلة بإمساك الصراعات الكونية وتوجيهها تلقاء مستقبل آمن لكل بني الإنسان وصولاً إلى خلجان الأمن والسلام وإعطاء كل ذي حق حقه في العيش المشترك لكنه غير قادر على إطلاق أحكام مبرمة بحكم سيطرة الهوى على كافة التشكيلات الاجتماعية وصولاً إلى الانزلاق في دوامات الفوضى طائفياً وعنصرياً وانسياقاً في التآكل الذاتي مما يجعل هذه التشكيلات قاب قوسين أو أدنى من التدهور والانحطاط وغير مؤهلة لاجتثاث قرون الفوضى وإعادة الأمور إلى نصابها ، وبما أن الطبيعة لا تجيب إلا إذا سئلت كذلك الفتنة لا تنتهي إلا باجتثاث قرونها .

ولئلا نبكي حزناً على غسل الخطايا علينا عبور عتبات الريبة بالآخرين ممن هم منا وفينا ولئلا تنسل خيوط الربيع من عباءة العمر علينا أن نحث النهار على الميلاد تجاوزاً للبحار الخطايا التي  تلدها الفتن . علينا استنطاق الفتنة الخرساء لكشف السبل الكفيلة بتجاوزها .

علينا عدم الوقوع في إشكالية عزل الوقائع عن الذرائع والاستضاءة بنور الوحي لئلا يدخلنا الهوى في الأنفاق المظلمة .

ما من رؤية قادرة على تسليط الأضواء على مصيرنا مستقبلاً ، فنحن نعيش ليالي مدلهمة الظلمات ونهارات تحطم الأخضر واليابس ولا سبيل إلى مسارات الخلاص إلا بتحرير عقولنا من الأوهام الزائفة وتنقية أنفسنا من جدليات الحيرة والارتباك للخروج من رعونة الفتنة العمياء التي تتنكر للوائح القيم ولهذا لابد لنا من كشف النقاب عن فضاء سياسي حيوي يزودنا بالقدرة على التصدي للفوضى والفتنة لبناء صرح مستقبلي بفاعلية وثابة قوامها تحويل الطموحات إلى وقائع .

وبمعنى أكثر وضوحاً لابد لما هو سياسي من الإذعان للوحي والعلم والعقل والحب والجلوس على موائد القيم الدينية والأخلاقية وإعادة تشكيل الحضور الممكن لنا عبر المسارات الفضائية للحضارة باحتضان الخصوصيات الطائفية وتجاوزها وفق أبجديات الوحي خروجاً من صحراء الهتافات الطائفية والعنصرية والعزف على أوتار الحب والإيمان بالله والوطن والتمسك بالبدائل التي تمتلك القدرة على العبور إلى المستقبل.

أنهار غزيرة من الدماء الأخوية ذات التواصل الإنساني والديني والوطني روجتها الطائفية والعنصرية مما يؤكد انسياقها خلف الهوى وهذا ما يؤكد ابتعاد المجتمعات العربية والإسلامية عن مسارات التغيير وأبجدياته الإيجابية لخضوعه للكهنوت الديني والكهنوت السياسي وهذا ظلم ما من بعده ظلم مما يجعلنا أكثر من أي عصر مضى بحاجة ماسة إلى استكشاف القوى الحيوية والعقلية والانضواء تحت سماء الوحي وعدم إضفاء القداسة إلا على ما ألبسه القداسة بارئ الأكوان وهذا يعني أننا مطالبون بالامتثال للوحي والعلم والعقل والحب والانتماء إلى الحاضر السرمدي بلغة كونية قوامها التوحد الكفيل بإنقاذنا مما نحن فيه وإذا كانت التجربة هي المعيار في العلوم الطبيعية فإن المقاربة العقلية والوجدانية هي المعيار في العلوم الإنسانية وهذا ما يسوقنا إلى الوقوف عند الرائد الأول في العلوم الإنسانية الرسول الخاتم صلوات الله عليه وإخوانه النبيين وأحبابه إلى يوم الدين .

ويكفينا مؤونة ما قاله في خطبة الوداع في السنة العاشرة للهجرة: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا) إلى أن قال: (ولا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) وفي هذا القول تكمن الحكمة وفصل الخطاب بكل ما نحن فيه من محن وويلات ولّدها جهل الجاهلين وانسياقهم خلف الهوى اختراقاً للفتنة وأوزارها .

إن هويتنا واحدة كما أوضح الرسول الكريم في ذلك الموقف المهيب في حجة الوداع (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فكيف يقتل الأخ أخيه ويستبيح ماله وعرضه ويدعي الانتماء إلى الله والوطن؟

وكيف يؤجج الفتنة في ديارنا الكهنوت السياسي الغربي وهو يدعي اتباع خطا موسى وعيسى عليهما السلام؟

وأخيراً ... كيف ننهي الفتنة وأوزارها عبوراً إلى أرض الحب والأمن والسلام ؟

بقي علي القول إن الفتنة إن لم تخمدها العقلنة فستكون نذيراً لحرب كونية تحصد رواد الفتنة ومن أججوها في مشارق الأرض ومغاربها .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد