تعايش

العدد: 
14731
سبت, 2016/10/08

حلب واحدة من أهم المدن في العالم التي يسودها السلام والتعايش بين جميع أطيافها الدينية والمذهبية ، وذلك منذ آلاف السنين وإلى الآن، وربما يعد ذلك إلى طبيعة شعبها وإلى كونها مركزاً تجارياً عالمياً عبر العصور، ومركزاً ثقافياً متميزاً يقصده شيوخ العلم والمعرفة، والراغبون في الدراسة من مختلف الجنسيات والمذاهب. وفيها يقول الشاعر:

بلد يظل به الغريب كأنه       في أهله، فاسمع جميل ثنائها

كان المسلمون والمسيحيون يعيشون فيها عيشة رضية هنية، يربطهم التجاور والتآلف والعلاقات التجارية القائمة على الثقة المتبادلة وبخاصة وأن حلب مدينة اقتصادية ومركز ديني كبير منذ أيام مملكة يمحاض الحلبية قبل الميلاد.

في المدينة القديمة وفي حي الشرعسوس كانت تقوم كنيسة القديس مارجرجس (الخضر عليه السلام) وكان سكان الحي والأحياء المجاورة من المسلمين والمسيحيين، وكانت النساء المسلمات يذهبن إلى الكنيسة ويشعلن الشموع لنذورهن أو لاستجابة حاجاتهن وأمانيهن.

كانت المرأة في هذا التجاور الودي ترضع طفل الجارة مسيحياً كان أم مسلماً ، وقد حدثني صديق لي وهو أستاذ جامعي بجامعة حلب قال لي: لوالدي وهو رجل متدين جداً أخ في الرضاعة هو المطران "فلان" وفي الأعياد يتزاوران وعادة ما أذهب معه لزيارة عمي المطران.

ترى لماذا يريد الأوروبيون إذن أن يعطونا دروساً وندوات في التعايش بين المسلمين والمسيحيين !؟

وشهدت مرة صاحب محل تجاري تحت القلعة يتوسط في الصلح بين أحد زبائنه وهو شاب مسيحي وبين خطيبته، ويذهب إلى دار أهلها ليصلح ذات البين حاملاً معه هدية لائقة اشتراها من ماله، وحدثني أنه قال لهم بلهجته الحلبية : " خيّو أنا داخل على الله وعليكن هالبنت ، بنت الأصايل، لها الشب ابن الناس الكويسين.. بدي ما تخجلوني، وقسماً عظماً لأحضر عرسن مع كل أهل حارتي ".

وللشاعر عبد المسيح انطاكي الذي كان يسكن حي قسطل الحرامي ، وفيه مسلمون ومسيحيون بيوتهم متجاورة، شهادة يقول فيها: والله ما رأينا من جيراننا المسلمين إلا كل خير واحترام.

وتجمع السهرات المشتركة العائلات الإثنية، كما تجمع الزيارات الدائمة رجال الدين من كل طيف، وفيها تبادل في الآراء يقوم على احترام الرأي الآخر ، وأسوق في ذلك هذا المثال في الاختلاف العلمي بين رجلي دين.

مفهوم الغزل الصوفي بين رجليّ دين

يقسم الأب توتل شعر الشاعر الصوفي الكبير الشيخ أبي الوفا الرفاعي إلى ثلاثة أقسام وهي: الشعر الغزلي، والوصفي، والتعليمي. ويقول عن الغزلي: " أما الغزلي فوددنا لو أهملنا ذكره" ،  وذلك أن الأب توتل يراه شعراً فاسداً لأن الشاعر يستعمل لغة العشاق الماجنة. يقول : " ما كان أليق بصاحب المنظومة عن أولياء حلب أن يخص شعره بمواضيع الحب الصالح التي ترتاح لها القلوب ولا تبلبل الضمائر". ومن المعروف أن للرفاعي مؤلف بعنوان " منظومة أولياء حلب" وهي شعر منظوم يعدد فيه أضرحة الأولياء في حلب، جمعه وحققه الأب توتل وهو مطبوع.

والأب توتل ينعى على الشيخ راغب الطباخ مؤرخ حلب اهتمامه بهذا الشعر الغزلي. وكان فضلاء حلب وعلماؤها تجمعهم صداقات وطيدة مع فضلاء المسيحية وقسسها، فهم يتزاورون ويتحاورون ويتهادون فيما بينهم، وفي إحدى الأمسيات التي جمعت الصديقين توتل والطباخ مؤلف كتاب "إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء" أعرب توتل عن تباين الرأي بينه وبين الطباخ في قصائد الغزل الصوفية في تلك الفترة. يقول:

"والغريب أن راغب الطباخ فتح مجالاً واسعاً لهذا النوع من الشعر الفاسد في ترجمة الشيخ أبي الوفاء وفي ترجمة غيره من الأعلام النبلاء، ولم أتمالك نفسي في مجالسة الشيخ راغب عن معاتبتي إياه معاتبة الأدب والصداقة فيما كتب، فقال الطباخ : لا محظور على الصوفيين إذا استعاروا لهجة العشاق المجونية بالمعنى المجازي، وعلى هذا الأسلوب جرى أبو الوفاء في شعره الغرامي".

أخيراً

هذه حلب الشهباء التي ما عرفت عبر تاريخها العريق غير المحبة والتآلف والتعايش التي تجمع جميع أبنائها على اختلاف أديانهم ومشاربهم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي