أسئلة في الهوية 1/3

العدد: 
14742
أربعاء, 2016/10/19

تحمل الشعوب هويتها الخاصة التي تبرز معالمها وتتحدد في الفكر والتربية والثقافة والفنون والموروثات الشعبية والعلاقات, وقد تتعرض الهوية إلى اختراقات من قوى الهيمنة في العالم أو في الجوار، أو من قوى من داخل الشعب نفسه تتمثل في التحريف والتشدد والشوفينية في المواقف والسلوك والتفكير والانتماء لقوى خارجية معادية أكثر من الانتماء للوطن؛ فتخوض صراعاً من أجل الحفاظ على هويتها التاريخية.

نحن اليوم لا نخوض صراعاً من أجل تحرير الأرض السورية فحسب من هذا الغزو البربري الذي لم تشهد سورية مثله من قبل خلال تاريخها الطويل، وإنما نخوض صراعاً من أجل الحفاظ على هوية شعبنا السوري العظيم، وعلى شخصيتنا التاريخية، وعلى موروثاتنا وحاضرنا ومستقبلنا في الثقافة والمعرفة والفنون والعلوم.

إن جملة الأدواء والأمراض التي تنتاب الهوية تؤدي إلى ضعفها وانحلالها وذوبانها في هوية الآخر، أو إلى انزياحها عن ثوابتها ودخولها في المجهول ثم العدم بحيث يفقد الشعب العريق هويته مع الزمن.

ولهذا فثمة أسئلة في الهوية تبقى مشروعة.

في عالم يتشكل اليوم من جديد في ظل فقدان التوازن الذي جعل شعوباً بأكملها عرضة للاختراق تمهيدًا لتفكيكها سياسياً وثقافياً وجغرافياً، وبالتالي إلى تخريش هويتها وطمس معالمها. في هذه الظروف الجديدة يصبح البحث في الهوية ضرورة معادلة للوجود،لكونها مرتكزاً ومرجعاً من أجل التخطيط للواقع والمستقبل.  ويطرح البحث للحوار أموراً جوهرية.

1ـ هل الهوية الإنسانية لمجتمع أو شعب أو أمة ما ثابتة أم متغيرة ؟

2ـ هل الهوية يحددها الصفاء العرقي واللوني، أو الأحادية العَقَدية والاجتماعية والثقافية من وعي جمالي وتراث وعادات وفولكلور، حيث يأخذ مفهوم القومية معناه الضيق، أم أن هذا الأمر غير ضروري في صياغة هوية شعب ما، بحيث يمكن للهوية أن تقوم على التعددية الأقوامية فتتجاور وتتداخل وتتبادل التأثر والتأثير مجتمعات تتباين ثقافاتها وتراثها وعاداتها..

3ـ ونحن في عصر تتحرك فيه قوة عظمى، وقوى أخرى معادية، انطلاقاً من ذرائعيتها ونفعيتها وشهوتها للسيطرة والاستغلال إلى تفكيك الكيانات والشعوب. ألا يمكن لوحدة سياسية وجغرافية تتباين فيها الأعراق والثقافات أن تأتلف في وحدة تجمع المتعدد، ويحافظ كل واحد من هذا المتعدد على خصوصيته البيئية والاجتماعية والثقافية والتراثية مع فتح النوافذ على الآخر ليتشكل هذا الكل المتعدد في سبيكة مؤتلفة تكون هوية موحدة لهذا الشعب، ليس انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على الوجود القائم، أو من يوتوبيات الوحدة، وإنما انطلاقاً من الضرورات الملحة لكل جماعة في البحث عن وجود مكين وسط عالم يتملكه القوي، بحيث يتشكل من توحد العناصر في هذه السبيكة وجود أقوى وثقافة أغنى.وهكذا تكون التعددية قوة إضافية في المواجهة، وتفتح مجالات أرحب في التطور الحضاري؟

ثمة سؤال ملح في الهوية الإنسانية : هل هي ثابتة أم متغيرة؟

يقول دعاة المتغير في الهوية الإنسانية: إن الهوية هي مشروع مفتوح على المستقبل، وخصوصية منفتحة على الخصوصيات الأخرى. وإن قيمة الشيء ليست في ذاته وإنما قيمته في عمله؛ وبناء على هذا فإن الهوية الإنسانية متغيرة.

ويقول دعاة الثابت: إن الهوية إرث تكامل تكوينه عبر السنين، به تتميز الشعوب والجماعات، وأي تغيير في الهوية يؤدي إلى تدميرها.

نحن لا نريد أن نجري وراء أي من القولين، فكل منهما يملك قدراً من الصواب، لكنه يفتح عيناً ويغمض أخرى فلا يمتلك رؤية كلية كاملة.

كان نقادنا الأوائل أمثال أبي عمرو ابن العلاء والمفضل الضبي والأصمعي يميزون صحيح الشعر من منحوله إثر سماعه من راويه فيقبلونه أو يرفضونه. فإذا روى أمامهم أعرابي قصيدة لامرئ القيس سرعان ما قالوا: نعم هي له أو قالوا ليست له، والأمر ليس بسر فهم يعتمدون في نقدهم ومعرفتهم على ثوابت في شعر امرئ القيس تسم شعره وتشكل شخصيته الشعرية في التصوير وتناول المعاني والقاموس اللفظي، بالرغم من الفوارق والمستجدات بين قصائده.

والأمر نفسه بالنسبة للوحة التشكيلية ينظر إليها الفاحص فيقول: إنها لبيكاسو أو غويا.. إنه أسلوبه في الفكر واللون والخط والكتلة.. بمعنى أن شخصيته الفنية تتجلى فيها .. ولا تتكرر.

ومثله أيضا في العمارة، نحن نفرق بسهولة بين الطراز المعماري الأيوبي والطراز  المملوكي، والطراز العثماني.

تلك هي الثوابت، أو الجوهر، التي تسم الهوية بميسمها، ونحن لدينا ثوابتنا في مجالات الفكر والوعي والاجتماع والثقافة والسلوك تشكل الخطوط الأساسية لشخصيتنا، والملامح الدائمة لهويتنا الإنسانية والتي بها تتميز عن الهويات الإنسانية الأخرى.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي