الحب والحرب

العدد: 
14750
خميس, 2016/10/27

كانت الشوارع مقفرة من المارة باستثناء من هبطوا إلى وسط المدينة وكنت واحداً منهم لجهلنا بما يتم في هذه المنطقة من ساحة سعد الله الجابري إلى شارع بارون ومقر جريدة الجماهير ، فقد كانت تتهاوى الحمم والقذائف مما يجعلنا نلوذ بمداخل الأبنية خوفاً ورعباً من مصارع السوء ورغم قناعتي بأن جغرافيات الفتنة ليس لها مكان آمن إلا الأمن الإلهي فقد لجأت إلى بناية الأوقاف ثم انتقلت إلى مقر الجريدة وكان الطقس نارياً كالسياسة لأننا في أوائل شهر تموز عام 2016 أي بعد عيد الفطر السعيد بأيام معدودات . لكن لم يكن العيد سعيداً لأن الفتنة تحصد كل من تطاله بلا استثناء ولست أدري كيف ساقتني الذكرى إلى تسعينيات القرن الماضي حيث ضمتني جلسة ودية مع صديق أديب عمل في دولة ما ... لسنوات عشر عاد بعدها بخفي حنين بعد أن أمضى فيها زهرة شبابه وكان حصاده المادي قليلاً وراح يحدثني عن ذكرياته الوردية على بطاح الرمال اللؤلؤية وكان أخرج من جيبه بضع وريقات عزيزة عليه كمعزة الأمن والسلام في هذه الأيام على أبناء الهلال الخصيب من البحر المتوسط إلى وادي الرافدين كما على باقي الجغرافيات العربية كاليمن وليبيا والسودان التي تجتاحها الفتنة الطائفية والعنصرية كطوفان نوح وقدّم لي الوريقات المشبعة أناقة لأقرأها .

كانت الوريقات ترشح أنوثة ومسطرة بأحرف تكتنز دفقاً إنسانياً ومشاعر دافئة تحتضنها العواطف أكثر مما تظهر الحروف ... إنها رسالة من كاتبة لبنانية وفقاً لمهزلة سايكس بيكو التي غادرت هي الأخرى مسقط رأسها بين أشجار الأرز والتفاح وبيارات البرتقال والليمون نزوحاً لتحقق شرطها الاقتصادي على بساط الرمال الدائخة في الضياء .

وعاد صديق الحرف والكلمة حاملاً في أعماقه بحاراً من الحنين إلى الوطن بينما بقيت الأديبة في غربتها تحوم في جغرافيات الغربة .. وما إن شرعت بقراءة الأسطر الأولى حتى وجدتني كنحلة طاوية ألقت نفسها وسط خميلة من الأشجار المورقة والأغصان المزهرة مع إطلالة الربيع .

ثمة أشياء كثيرة رصدتها رسالتها حتى ليكاد يكون نسيجها الأحاسيس والمشاعر والأفكار حتى خيّل إليّ أنني أقرأ إحدى صفحات كتاب (مولد المأساة) للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه وأصغي إلى إيقاع الموسيقي الكبير فاغنر وهمومه العاطفية وإرهاصاته الوجدانية في سيمفونيته الخالدة (أفول الآلهة) فقد استوقفتني الرسالة عند أكثر من نقطة وأكثر من فكرة وأكثر من إشكالية محرضة رغم أنها ترشح حباً إنسانياً حتى كأنها تعانق أغصان الوجود وتشتم أزاهير المجرات ... إنها التجسيد لإشكاليات المثقف العاشق في جغرافيات الضاد كلها ... رصد شاعري لمأساته وتشخيص مصيري لمعاناته التي لا تعرف حدوداً تتوقف عندها .

لكنما ثمة نقطة مريعة أثارتها كاتبة الرسالة استوقفتني طويلاً وأثارت في أعماقي جبالاً وسهولاً وبحاراً من الأحاسيس والمشاعر والأفكار قوامها أنها وصلت إلى مرحلة ما بعد اليأس . وتتساءل فيما إذا كانت مرحلة ما بعد اليأس ، حينما يرسو المرء في مرافئها الضبابية .. هل هي ، أي مراحل ما بعد اليأس قادرة على تحريض من يكتوون بنارها على إثارتهم مجدداً بما تمتلك من دفق فاعل على إخراجهم من قاع اليأس والطواف إلى ما فوق السطح .. سطح التفاؤل والأمل والرجاء ؟!

وأنا شخصياً أميل كل الميل إلى هذه الرؤية , وأحتضن مثل هذه القناعة التي تؤكد أن مرحلة ما بعد اليأس تؤدي في معظم الأحيان إلى إطفاء لهيب اليأس عروجاً على سلالم التفاؤل والأمل والرجاء وما نحن فيه أبناء الهلال الخصيب من أوغاريت إلى بابل ونينوى من فتن خرساء صممها المجرمون بهندسة غير قابلة للاختراق بظنهم .. لأنهم نسوا الدور الفاعل لصاحب الأمر والتدبير والقادر على رسم التاريخ كما يشاء ويرضى .. ونسوا أيضاً أن هذه الجغرافيات التي احتضنت رفات الأنبياء والعباقرة على طول امتداد التاريخ وإلى ما قبل عشرة آلاف عام قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام صممتها الأقدار على الاستعصاء على مجابهة كل الشرور والإرهاب كما صممتها على التجدد الولادي باستمرار ما دام الليل والنهار ...

فالحب لا يعرف السكينة فهو ينمو ويتوالد في المجتمعات المترفة والمتناوبة حياتها بين الهدوء والإعصار لكنه لا يخمد حتى في الفتن الخرساء التي تغتال البلاد والعباد . فكما تنامى الحب بينهما فقد يتطلع إلى الولادة في سورية التي تكسوها أردية الموت والدمار في كل مكان . وهذا ما تؤكده حركة التاريخ منذ بدء البدء .. لأن الحب يتفتح على الحياة وهو خصب لها ولهذا اخترع الأقدمون آلهة للحب والحرب إلى أن تلمسوا حضورهم الكوني في الأحد الصمد الذي زعم رعاة الفتن وقادتها بأنهم يعبدونه حق عبادته دون أن يتحسسوا ذلك الشرك الخفي الذي يصطادهم من خلال قتل بعضهم بعضاً وهدم منازل بعضهم بعضاً وإقصائهم عن ديارهم التي رضعوا حليبها وتلحفوا بشمسها وتنفسوا هواءها ...

ونحن اليوم في ديارنا عربياً وسورياً ما فتئ مؤججوا الحرب يمارسون مهامهم الشريرة لكنما بالمقابل هنالك من يؤدون دورهم الإيجابي في إخمادها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً لكن ما المؤججين للحرب خارج جغرافياتنا أكثر عدداً وعدة , ولهذا يراهنون على إفناء بعض هذه الجغرافيات وإقصائها عن مائدة التاريخ . فهل تراهم قادرون ؟!!

وإني أشك في ذلك كل الشك , لأنني ابن لهذه الجغرافيات التي كانت مهداً للأنبياء وتربة خصبة للحضارات وجبالاً وسفوحاً وودياناً وسهولاً للتطور الحيوي عبر العصور , ولهذا أميل كل الميل وصولاً إلى شيء من الاعتقاد الجازم بأن براكين الإرهاب إلى ضمور وحركة الزلازل إلى سكون وأن العاصفة التي كادت تحطمنا ستتحول إلى رياح سافيات حيناً وإلى هواء عليل حيناً آخر ..

فكيف ؟

كتب إلي صديق عزيز جداً كما هو مواطن مميز يتلمس حضوره الكوني في الله والوطن رسالة عبر الهاتف الخليوي يقول : الله أكبر وأعز (( أتى أمر الله فلا تستعجلوه )) .

ومضت أيام على الرسالة إلى أن تجسدت الإجابة المعقلنة عليها اعتقاداً واستبصاراً لفلسفة التاريخ وأبجدية الحضارات . فكتبت إليه ( الجواب الوحيد على رسالتك في الآية 46 من سورة النحل ) . وللإيضاح أقول: إن الآية التي تضمنتها رسالته هي الأولى من سورة النحل , أما الآية التي أشرت إليها فوردت في سياق قرآني هو التالي : ( أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم 47 ) سورة النحل . وقد آثرت الاستمساك بالآية 46 لأن إفناء الجماعات الفاسدة لم يعد متمثلاً بالأحداث الكونية كعاد وثمود وغيرهما , ولم تستوقفني الآية 47 من النص لأن مهندسي الإرهاب لا يخافون الله ولا يحسبون له أي حساب على الإطلاق وهذا ما حدا بي إلى الاعتقاد بأن ذا العزة والجلال سيأخذهم في تقلبهم الذي هم عليه الآن . وهو مجرد اجتهاد شخصي في استبصار النص القرآني وأرجو أن يكون على ميقات قريب مع الذين مكروا السيئات .. ولا يحيق المكر السيئ إلاّ بأهله.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد