أسئلة في الهوية 2/3

العدد: 
14761
اثنين, 2016/11/07

أصبح من الضروري وسورية تعيش في ظل هذه الأزمة الدامية من العمل على رفع مستوى الوعي وإعادة اكتشاف الذات، وتلك هي التنمية الحقيقية في بناء الإنسان الجديد في وطننا العزيز.

المثقف السوداني أو السوري أو العراقي مثلاً و نماذج أخرى لأشقاء لنا، قد يعجب بموسيقا بيتهوفن وباخ وغيرهما، يجلس إليها مستمتعاً بالسماع كأنه يريد أن يثبت جدارة انتسابه إلى حضارة العصر الغربية، ولكن ما إن تنحدر إليه عبر النافذة موسيقاه الوطنية من عرس قريب حتى يرقص طرباً، وذلك هو الثابت في الوعي الجمالي.

لكن في الهوية منفسحاً أيضا للصيرورة والتكوين الدائم المتجدد كي تبقى الهوية منفتحة دائما على العصر.

لقد تجنبت استعمال كلمة تغيير ومتغير عمداً واستعملت كلمة تكوين ؛ لأن التغيير قد يعنى به، أو يؤدي إلى الانقطاع وإلغاء الثوابت، أما التكوين فهو متحول صيروري يحمل ثوابت الجوهر ومتغيرات العصر في حركة ديناميكية توالدية تحقق شرط التعددية.

إن العودة إلى التراث، ولا أقصد التراث العربي فحسب، وإنما تراث جميع التكوينات الديموغرافية في السودان أو سورية أو غيرهما مما يتماثل فيها الوضع وبخاصة في أفريقيا، إن هذه العودة إلى أهم ثوابت الهوية الإنسانية وهو التراث، واكتشافه، وتمثله في الفنون والآداب، وإعادة إنتاجه، ونقله من  الماوراء الزمني إلى الأمام المعرفي هي ضرورية في تحقيق ما يلي:

1ـ اكتشاف الذوات المتعددة المكونة للهوية والذات الكلية.

2ـ تعميق معرفة المواطن بثقافة وآداب وفنون وطرق تفكير الجماعات المنتظمة في الهوية الواحدة مما يجذِّر هذه الهوية ويعمق معرفته بها.

3ـ المعرفة السابقة لابد أن تؤدي إلى تبادل التأثر والتأثير، والتقارب، والتمازج، والتناغم الهارموني مما يعمق إحساس المواطن بالانتماء، وبالوحدة الوطنية.

4ـ بناء قاعدة صلبة لدخول عصر شديد التعقيد والخطورة، بحيث يتشكل من القاعدة التراثية، ومن المعرفية العصرية الجديدة المنطلقة منها كياناً حضارياً متينا صالحاً للمواجهة الحضارية التي يشهدها العالم.

5ـ بناء قاعدة عاطفية عقلية من الحب واحترام آراء وتقاليد ومشاعر الآخر الدينية والاجتماعية والثقافية بين جميع المناصر التكوينية في سبيكة الهوية المشتركة، بحيث يعيش الواحد في قلب الآخر.

الهوية والتعدديــة

بعد سقوط النازية العرقية، وتداعي الأنظمة العنصرية، وانهيار وتفكك قوة عظمى هي الاتحاد السوفيتي ، وكما الزلزال العنيف تتبعه هزات ارتدادية كان لانهيار تلك القوة دوي عظيم أعقبته ارتدادات ومازالت، تمثلت في تفكك كيانات عديدة، وقد أخذ هذا التفكك في مناطق أخرى شكل تصفيات عرقية ودينية كما في البوسنة والهرسك وكوسوفو، ودول عربية نشهدها اليوم تتلظى بنار الفتن والتمزق الداخلي، وما تشهده سورية اليوم من هجمة استعمارية شرسة هي ارتدادت لتلك الزلزلة.

بعد فقدان التوازن العالمي فإن القوة العظمى التي انفردت بالتنظير للعالم بقوتي السلاح والاقتصاد وبدعاوى العولمة، وإن ربيبتها الصهيونية كقوة تآمرية تدميرية محركها تعاليمها التحريفية، تخططان وتغتبطان اليوم لما يحدث من حروب وتفكك ودمار، وتزيدان النار اشتعالا، لأن هذا التفكك الذي يشهده العالم يزيدهما قوة وبغياً .

أدركت أوروبا وهي الأكثر وعياً أنها لن تكون بمنأى عن هذه النار الشيطانية، وبنظرة بعيدة المدى رأت أن المواجهة لا يمكن أن تكون إلا بالتكتلات الكبرى فكان اتحادها في السوق المشتركة مع الحفاظ على خصوصية كياناتها المتعددة واستقلالها، لكن الآخرين  الأقل وعياً، كيف يدركون أنه لا بقاء لهم إلا بالتكتل والحفاظ على الوحدة؟  فاللقمة الصغيرة يسهل تناولها ومضغها وابتلاعها، أما الكبيرة فقد تؤدي بآكلها إلى الموت اختناقاً .

إن الأزمات الاقتصادية التي تضرب العالم تؤكد على مخاطر التبعية المطلقة والخضوع للهيمنة الأحادية التي لا ترحم، والانسياق وراء مقولات العولمة التي نراها تتداعى اليوم بسرعة. وأن الشعوب في مواجهة ذلك لا بد أن تعتمد على استقلاليتها في الرأي والعمل، وعلى وحدة مكوناتها الاقتصادية والثقافية والديموغرافية.

إن منطق القوى الاستعمارية التفكيكي لا يمكن أن يتبدل. كان الطالب السوداني في كلية غوردن محرماً عليه أن يذكر أمام كلمة الجنسية: سوداني. بل عليه أن يكتب شايقي أو جعلي أو دنكلاوي..الخ. ومازال هذا المنطق بأشكاله الجديدة ينظِّر لهويات أحادية تقوم على دعاوى عرقية وقبلية ودينية ليسهل تفكيك الوطن الواحد وابتلاع أجزائه، وهو غالباً ما يهيئ لذلك بعزل المنطقة التي يريد أن ينفذ فيها مشروعه التفكيكي عن العالم اقتصادياً، وبقطع وسائل الاتصال والتواصل معها المادية والمعنوية مؤللاً بأحدث وسائل الحصار والحرب والإعلام، أليس هذا ما تشهده سورية اليوم من محاولات التقسيم والتدمير التي تقوم بها القوى الشيطانية في العالم؟

هذا المنطق الاستعماري الجديد تطور عن القديم ولم يتبدل، فعندما شق الإنكليز الطرق في السودان جعلوا اتجاهها من الشرق إلى الغرب وليس من الشمال إلى الجنوب لعزل الشمال عن الجنوب اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، وهو أول إسفين يدقه الاستعمار في وحدة السودان. كما كان الاستعمار بقديمه وجديده وبمشاركة الصهيونية يعد لسيناريو مماثل لما نفذته التوتسي فيما بعد في راوندا وبروندي ثم في الكونغو، وتشهد على ذلك السيناريوهات التي يعدها ويطرحها الغزاة الاستعماريون ضد الشعب السوري ووحدته.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي