أسئلة في الهوية 3/3

العدد: 
14769
ثلاثاء, 2016/11/15

الهوية والسبيكة المؤتلفـة

كان الشعب السوري بجميع أطيافه، وسيبقى بإذن الله، نموذجاً للسبيكة المؤتلفة، يوحد بين عناصرها المتعددة الشعور العميق بالوحدة والتآلف والعيش والآمال المشتركة.

لم يخلق العالم أحادياً ، فالأحد وحده هو الله ، وإنما يقوم نظام الخلق في العالم على أساس نظام السبائك، من النظام الذري إلى النظام الكوزمولوجي ،  من تركيب الذرة إلى المجموعة الشمسية. إنه نظام التعددية المؤتلفة سبكياً في الوحدة.

ويقوم النظام في الجسد الإنساني على أساس السبيكة العضوية.

ويقوم النظام في جسد المجتمع على أساس السبيكة الاجتماعية.

ويقوم النظام في الكون كله على أساس السبائك الكونيـــة.

وفي السبيكة العضوية، وفي السبيكة الاجتماعية طاقة حيوية تتغلغل في الأجزاء ولها مسارات لا تقوم على نظام الأوعية.

ينظر إلى السبيكة ككل متكامل متآزر، وما يصيب أحد أجزاء الجسد من مرض أو بتر يؤدي إلى الضعف واختلال التوازن في جسد السبيكة ، وسيمر وقت طويل قبل أن تصل السبيكة الجديدة الناقصة إلى توازن جديد لها.

وفي سبيكة اجتماعية ديموغرافية مؤتلفة منصهرة كما الجسد السوري أو السوداني أو العراقي طاقة حيوية تعطيها خصوصيتها وقوتها وفاعليتها. فإذا اشتكى جزء من هذا الجسد ضعفاً فإن تحريض الطاقة في جزء آخر على الميريديان الطاقي نفسه يؤدي إلى تدفق الطاقة على هذا المسار إلى الجزء المريض مما يساعد في شفائه. وفي المقابل فإن تفكك هذه السبيكة، والتي هي ليست كمثل السبيكة المعدنية، وإنما هي سبيكة عاقلة مدركة تتغلغل في حناياها الطاقة الحيوية، إن تفككها يؤدي إلى تفكك هذه الطاقة الحيوية وانفصالها؛ ذلك أن عناصر معينة في كل جزء هي مؤثرة في عناصر معينة في الجزء الآخر .. وهكذا يتداخل التأثر والتأثير على محيط الدائرة وأقطارها.

أليس هذا أيضا مضمون الآية الكريمة " إنما المؤمنون أخوة " ومضمون الحديث النبوي الشريف " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى "؟ وتدل كلمة تداعى هنا تعني اجتمع وتآزر للمساعدة.

ما الذي يحدث لو قام الجسد الإنساني على نظام الأحادية والانفصال وليس على نظام السبيكة؟

وما الذي يحدث لو قام الجسد الاجتماعي على نظام الأحادية والانفصال وليس على نظام السبيكة؟

ألن يؤدي ذلك إلى تماوت الأجزاء أو ضعفها وتعرضها للأدواء؟

والطاقة السبكية الاجتماعية تأخذ دورها الفاعل الأكبر بالإيمان ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ..الخ) ؛ فهي طاقة حيوية إيمانية . وهذه الطاقة في سبيكة اجتماعية تعددية هي مصدر القوة، وأساس التنمية، ونسيج التواد والتراحم، وهي أخيراً قوة الحضارة. والدرع الواقية ضد قوي الطغيان.

تعمل القوة الطاغية العظمى اليوم على رسم خرائط جديدة للعالم بحيث تحقق هذه الخرائط مصالحها على حساب مصالح الشعوب، وبالرغم من أن دولة عظمى كالولايات المتحدة تقوم هويتها على مبدأ السبيكة حيث تجمع أعراقها ومجتمعاتها وأديانها ومذاهبها سبيكة مؤتلفة إلا أنها في تعاملها مع الشعوب تميل إلى تفكيك السبائك وتمزيق الهويات ودعم حركات الانفصال، وهي كثيراً ما تجد استجابة لمخططاتها لدى الجماعات التي هي ليست على درجة مؤهلة من الوعي، والتي لا تدرك أخطار التفكك والانفصال، فتنساق وراء دعاوى قبلية أو دينية أو قوموية، ولا تملك رؤية كلية شمولية لأخطار التقوقع والانعزال والتجزئة التي تؤدي بشكل حتمي إلى الضعف.

إن سبيل القوة اليوم هو في التكتلات الدفاعية: سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وفي السبائك التي تتعدد وتتآلف وتتعاضد عناصرها.

إن الحضارات الكبرى هي نتاج التعدد والتنوع، وما بلغت الحضارة العربية الإسلامية ما بلغت من عظمة ورقي إلا بتلك السبيكة الرائعة للدولة الإسلامية التي ائتلفت فيها شعوب وأعراق متباينة عربية وفارسية ورومية وأفريقية وأندلسية.

وإن سبيكة كهذه منفتحة على الحضارات الأخرى من غير أن تفقد وجهيها العربي والإنساني، وتكون سبيلا للقوة في حوار الحضارات وفي التصدي للأطماع الأجنبية.

هذه السبيكة ذات شرطين :

1ـ شرط الانصهار: فهي سبيكة منصهرة في الأهداف والآمال والمصالح الوطنية الشاملة، وفي إرادة الوجود.

2ـ شرط الائتلاف : فهي سبيكة مؤتلفة في الأعراق والديانات والثقافات.

أما العربية في أوطاننا من المحيط إلى الخليج فإنها باتفاق الجميع يمكن أن تكون عامل ائتلاف وتوحيد وتفاهم وقوة بين جميع الأقاليم والمجموعات البشرية.

يقول د. عون الشريف قاسم عن تجربة اللغة العربية في السودان المتعدد الأعراق، يقول في مقدمة قاموسه : " كل هذا التنوع في الطبيعة والبشر يجد صداه في مجال اللغة إذ أن كل هذه العناصر التي مر ذكرها ترتضخ لغاتها الخاصة بلهجاتها المتفرعة، ولكن معظمها يتخذ من العربية أداة للاتصال والتفاهم، ولا نستثني من ذلك القبائل النيلية التي كانت وما تزال تتخذ من العربية وسيلة للتفاهم فيما بينها، الأمر الذي دفع بالمستعمرين الإنكليز في مطلع هذا القرن لمحاربة اللغة العربية في الجنوب ومحاولة إحلال اللغة الإنكليزية محلها دون طائل" .

لكن الهوية لا تصاغ بالتنظير وإنما بالممارسة ومباشرة الحياة المشتركة، وهي تتأصل وتتعمق وتقوى جذورها بالحوار الثقافي والفكري الديموقراطي، وهو السبيل إلى اكتشاف الذات وفهم الآخر في السبيكة المؤتلفة والدخول إليه من بوابة المعرفة والاحترام. ولكن ذلك لا يكون إلا بوضع وسائل الاتصال والمعرفة من إذاعة وتلفزيون وصحف ومؤسسات وتشكيلات ثقافية واجتماعية وسياسية وتربوية، وما تنشره أو تعقده من ندوات ومؤتمرات وما تضعه من مناهج، في خدمة هذه الأهداف، وذلك هو الحوار الأكثر عمقاً والأكثر فاعلية وتأثيراً،  وهو أيضا القاعدة الأساسية للحوار الذي يقيمه السياسي.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي