مصير العالم ؟!! 1/2

العدد: 
14776
ثلاثاء, 2016/11/22

قد تتغير الفصول، وتذوب الثلوج في هذا القطب أو ذاك، وقد تتلاحم القارات الخمس فتعود الأرض كما كانت عليه منذ بدء البدء .. إلى آخر ما هنالك من احتمالات لكنما لن يتغير الإرهاب إلاّ إذا تغيرت الوحوش الكاسرة وأصبحت مدجنة كالأنعام التي تمشي على الأرض فتأكل من نباتها لتقدم للناس ألبانها ولحومها وجلودها.

وإذا كانت المستحيلات تحول دون تحول الذئاب إلى خراف فبهذا القدر أو أكبر منه يمكن للإرهاب أن يلتزم بلوائح القيم، وهذا ما تؤكده مطاوي التاريخ منذ أبعد العصور كما تؤكده قواميس الحكمة على طول امتداد الأحقاب.

هذا ما يقوله كل شاهد على التاريخ وما سيادة ثقافة اللا معني الموشحة بأكاليل بلهاء على كل أو معظم الفضائيات العالمية مما حدا بفريق من المفكرين إلى الإنذار بنهاية العالم، وأنا شخصياً لا أرى أن العالم على تماس مع النهاية وذلك لسبب بسيط جداً قوامه أن أهل الأرض لم يصلوا إلى مرحلة يقولون أو يزعمون فيها أنهم أصبحوا قادرين عليها كما يؤكد كتاب الله المقروء في الآية الرابعة والعشرين من سورة يونس، لأن ذلك يعني مقدرة البشر على إيقاف الزلازل والبراكين والعواصف وغيرها.

إذن العالم ليس على تماس مع النهاية كما يخيل لفريق من الناس لكنني أستطيع القول وبمزيد من الحسم والتأكيد إن العالم أمام امتحان كبير يكاد يكون فريداً من نوعه. إنه أمام امتحان لأنه في مأزق، وبما أن التاريخ لا يسير إلاّ إلى الأمام فهذا يعني أنه أمام الامتحان الأعظم في تاريخه الذي يعود إلى أكثر من عشرة آلاف عام قبل ميلاد السيد المسيح ، حيث تفيد البحوث الدقيقة أن في شرقي البحر الأبيض المتوسط وعلى التحديد في الهلال الخصيب تشكلت أول مجموعات بشرية على دروب التمدن والحضارة وهذا ما حدا بالعالم الفرنسي أندريه باور الذي يتقن مسارات التاريخ الجلي وأبجدياته الحضارية إلى القول (لكل إنسان متمدن في العالم وطنان وطنه الذي يعيش فيه وسورية)لأنها أم الإنسان المتحضر على الإطلاق ، وهذا الوطن السوري الذي حمل عبء الحضارة من قبل يحمل اليوم الجزء الأكبر من أوزار الفتنة الخرساء التي نسجها النساجون له وللعالم أجمع ..فتن وحروب صماء لا تدري لصالح من تقتل ولم تقتل ولا إلى أين تسير ..لأنهم أحكموا هندستها بدقة متميزة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً وهذا ما يعني أن ما يحدث في سورية هو عدو مخيف للحياة والأفكار ولوائح القيم وأبجديات التحضر لأنه في جوهره عدو للعالم الأرضي كله ...ولهذا أشدد على القول بأن العالم أمام امتحان ... فهل ينجح في الامتحان بتحقيق ميلاد بطل أو أبطال المستقبل ممثلاً بأفراد وجماعات ينتزعون أظافر الإرهاب ويجتثون قرون الفوضى ويرسمون فتحاً معقلناً لما هو آت من الزمن؟!

وتوقفت ملياً ورحت أنبش مخزون الذاكرة إلى إن انبثقت أمامي عبارة قرأتها منذ أربعين عاماً ساقتني إلى التأمل وهي تحاول استنطاق الأحداث التي تتواكب في الجغرافيات العربية وعلى التحديد في سورية الكبرى قبل معاهدة سايكس بيكو وسواها من معاهدات التآمر الوحشي الذي لا يكف عن استدعاء الهمجية لأنه غير قادر على أن يكون شيئاً آخر سوى ما هو عليه. كان صاحب العبارة المرحوم نجيب العازوري الذي غادر مسقط رأسه مكرهاً ليتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقاماً له وأسس فيها عصبة الوطن العربي عام 1904 وأصدر مجلة الاستقلال العربي عام 1907 وسعى إلى إقامة أمة عربية مسلحة بالعلم والمعرفة وكل وسائل الحداثة الممكنة ولم يكن وعد بلفور قد صدر بعد وقد رأى ببصيرته الثاقبة مستقبل الصراع وأبعاده على الجنوب السوري الذي أطلقت عليه سايكس بيكو ( فلسطين ) فأطلق عبارته التي تركت انطباعاً عميقاً في نفسي كما في نفس كل امرئ يدرك إنسانية الإنسان حيث قال رحمه الله ( تبرز في هذه الآونة ظاهرتان خطيرتان مناقضتان على وحدة طبيعية هما يقظة الأمة العربية وسعي اليهود الخفي لاغتصاب أرض فلسطين على نطاق واسع ، إنه مكتوب لهاتين الحركتين أن تتصارعا باستمرار حتى تتغلب الواحدة على الأخرى ، وعلى نتيجة هذا الصراع يتوقف مصير العالم أجمع ) ، وكأن ذي العزة والجلال ألهم نجيب العازوري ليؤكد للإنسانية جمعاء أن سورية بقدر ماهي أم الحضارات بقدر ماهي أم معظم الأنبياء وأنها الوطن الوحيد على الكوكب الأرضي الذي حقق منذ بدء البدء تعايشاً مشتركاً لكل الطوائف والنحل والأديان والعقائد على طول امتداد الأحقاب وأن مصير العالم سيكون مرهوناً بهذا الصراع المستمر وليس الأبدي لأن نهايته بشّر بها ذو العزة والجلال في كتابه المقروء في مستهل سورة الإسراء بآياتها من الرابعة إلى الثامنة بقوله تعالى: ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلنّ علواً كبيراً ، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً، إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً ) ، ثم انعطف إلى الموضوع في الآية 104 من السورة ( وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً ) ، وكأن رب العزة يُعلم كل شاهد على التاريخ بما سيكون وهذا ما تم فعلاً لذا قدموا أفراداً وجماعات من كل الأصقاع وأجمعوا على الشر والإرهاب ليأخذهم لفيفاً كما جاؤوا لفيفاً .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد