مصير العالم 2-2

العدد: 
14784
أربعاء, 2016/11/30

وتستمر الأحداث تباعاً وتجاوزاً لعلوهم الأول ونهايته على يد نبوخذ نصر والسبي البابلي ومن ثم معاصرتهم الأزمنة حتى ميلاد الوثيقة الأولى في الحكم المدني التي سطرت بأمر من الرسول العربي صلوات الله عليه وأخوته النبيين إبان هجرته إلى يثرب والتي استهدفت تحقيق تعايش سلمي  وأخلاقي مشترك بين المسلمين واليهود والمشركين ونكوص غير المسلمين وعلى رأس الهرم منهم القبائل اليهودية ببنود الوثيقة التي تضمنت عيشاً إنسانياً للجميع وصولاً إلى الهجرة القسرية لفريق منهم حتى نهايتهم بعد تحكيم سعد بن معاذ حليف بني قريظة واجتثاثهم من يثرب التي حملت فيما بعد اسم المدينة المنورة .

وتتوالى السنون وتتلاحق الأحداث تترى ويمضي نجيب العازوري مغادراً الحياة الدنيا وتبقى رؤيته لحركة التاريخ علامة فارقة يجسدها كل حدث ويرسمها كل تآمر فنقرأ أبعادها في كل المعاهدات الآثمة التي شخصتها الأزمنة حتى مجيء وعد بلفور الذي اعتذر عنه الإنكليز في وقت لا ينفع فيه الاعتذار .

وكانت الحرب الكونية التي كان بموجبها توزيع مناطق النفوذ والتي تمحورت على أرضيات الجغرافيات العربية والعالم الإسلامي حتى العام الحزين 1948 مروراً بالصراع الدامي في جنوب بلاد الشام ( فلسطين ) وتشريد أبناء مهد السيد المسيح عليه السلام وتهجيرهم القسري من ديار المسجد الأقصى وتشتيتهم في كل أو معظم شوارع العالم .

وجاء النصف الثاني من القرن العشرين لتتجسد رؤية نجيب العازوري أكثر فأكثر على الساحة الدولية حتى لتكاد تكون عنوناً لكل حرب أو معاهدة ومخطط وإن كانت أشد بروزا وبخطوط نافرة في حرب 1967 وفي الاجتياح الإسرائيلي للبنان وصولاً إلى الاجتياح الأمريكي لبلاد ما بين النهرين ( العراق ) التي كانت صاحبة الإلغاء والتجاوز المحكم لعلوهم الأول في السبي البابلي وعقب كل حدث ألقى نفسي أمام مقولة نجيب العازوري ( وعلى نتيجة هذا الصراع يتوقف مصير العالم ) .

ثمة كتاب قرأته منذ زمن بعيد للكاتب السوري العربي فرح أنطون نشره عام 1903 يحمل اسم ( الدين والعلم والمال ) ويصور لكل من هذا الثلاثي المذكور في عنوان الكتاب مدينة مستعرضاً نزاعاتها ومشكلاتها وادعاءاتها على بعضها البعض باعتبارها في مقدمة الأسباب التي تولد الخصام بين الأمم، ومع احترامي لرؤية فرح أنطون ببعدها الحضاري فكم تمنيت لو أضاف لمدنه مدينة أخرى تكاد تتأبط الشرور كلها عبر التاريخ باستثناء فترات قصيرة جداً لا يلحظها إلا شاهد التاريخ المعقلن أكثر مما يجب والحيادي إلى أبعد الحدود ، وهذه المدينة هي المدينة السياسية التي غيّبها وأنا أطلق بشكل عام على العاملين في السياسة تسمية ( الكهنوت السياسي ) كما أطلق على العاملين في الحقول الدينية تسمية ( الكهنوت الديني ) وأكاد أقول إن الكهنوتين يحملان السلبيات ، وهذا لا ينفي وجود استثناءات متميزة تحمل أبجديات حضارية في الكهنوتين  الديني والسياسي معاً ، لكنما يبقى قادة الشر في العالم بشكل عام من هيئة أركان الدين والسياسة وهذا ما نكتوي بناره منذ صبيحة القرن  الواحد والعشرين حتى الآن لأننا في صراع بين ماض ذهب ولن يعود وحاضر متأبط عباءة الماضي ولا يقوى على نزعها أو مستمسك بأبجديات الحداثة كمن يريد أن يقف في الهواء مباشرة لأنه مصر على انتزاع نفسه من ماضيه بإيجابياته وسلبياته وهذا يعني أن كلا الفريقين في معزل عن الدراسات الدينية والفلسفية والاجتماعية المرتبطة ببعضها ارتباطاً لا انفكاك منه ، ولهذا يعتمدون على رؤية الواقع من خلال مواقفهم المسبقة الصنع فلا يرون إلا سراباً .

وفي هذا الإطار اصطنعت الصهيونية وزبانيتها من الغرب السياسي الألغام بتزوير التاريخ واستغلال الجهل وضيق الأفق ووظفوا الانغلاق والتحجر والتعصب الأعمى ليهندسوا الفتنة تحت شعارات وهمية بدءاً من مشروع الشرق الأوسط الكبير والجديد انطلاقاً إلى الفوضى ( الخلاقة ) وانخراطاً في الفتن والمهالك التي تحرق الأخضر واليابس في الجغرافيات العربية وبشكل مركز في جغرافيات الهلال الخصيب وسورية التي تشكل الرعب الأكبر للصهاينة والغرب السياسي فأشعلوا فيها حرباً ليس لها مثيل في التاريخ، حرباً وحشية لا تستهدف إلا انتزاع كل أسباب الحياة للإنسان والحيوان والنبات لاقتلاع كل معالم الوجود الحيوي وتحويله إلى موت مؤكد .

ولكنني أؤكد بقوة وحسم أكبر أن هذا لن يكون أبداً وسيتم إيقاف البراكين والزلازل والأعاصير سورياً وعربياً لأسباب كثيرة أشرت إلى بعضها وتناسيت بعضها الآخر فنحن متوجهون إلى زمن الصحو المبين رغم أننا في نهايات العام السادس للفتنة الخرقاء والخرساء لكنني أميل كل الميل إلى أننا في الفصل الأخير من الفتنة التي سنلملم عوراتها ونجتث قرونها لأن لنا الدور المستقبلي الفاعل في التحضر الإنساني غداً كما كان من قبل وإن لم تنته الفتنة فهذا إيذان بحرب كونية تحرق مؤججي الفتنة وزبانيتها بحكم منطق التاريخ كما بحكم الإرادة الإلهية رغم كل أجندة الشر والطغيان لأننا مؤهلون وراثياً وتراثياً للإسهام في حضارة المستقبل .

وأنا شخصياً إذ ( أرصّ ) هذه الكلمات مع نهايات عام 2016 ليس لأنني سوري عربي مسلم فحسب وإنما لأنني شاهد حيادي على مطاوي التاريخ، حيادي لأنني لا أمقت الغرب بل أحبه وإن كنت أدين الغرب السياسي ، ولا أمقت اليهودية ولكنني أدين الصهيونية العالمية ، ولأنني أخلاقي أحب البشرية جمعاء وأتمنى لها الخير كله .. والخير كله يتمثل في إحقاق الحق في مشارق الأرض ومغاربها وهذا لن يكون إلا بعودة الغرب السياسي والصهيونية العالمية إلى جادة الصواب وإلا .. فالحرب الكونية على موعد من اشتعال فتيلها المشرب بالبنزين .

والله ذو العزة والجلال من وراء القصد

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد