((برج الصمت)) والطريق إلى النور 1/2

العدد: 
14790
ثلاثاء, 2016/12/06

وضعت أمامي ثلاثة كتب تحتضن عناوينها مفردة الصمت لأنني بدأت أميل إلى الصمت بحكم الفتنة الهمجية التي تجتاح الجغرافيات العربية والسورية وبحكم السنين التي مررت بها وأكاد أختزلها بأنني لم أكن راضياً خلالها عن نفسي ولا عن غيري على السواء. وشرعت باستدعاء الذاكرة التاريخية لهذه المرحلة المسروقة من سياق الزمن. وهذه الكتب قرأتها جميعاً منذ فترات طويلة. وهي على التوالي ( في البدء كان الصمت ) للشاعر السوري علي الجندي ( وبرج الصمت ) للأديب السوري بشير فنصة و(جمهورية الصمت) للفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر . وتساءلت على مدى أسابيع أي هذه الكتب أتوقف عنده لأقدمه إلى السادة القراء ؟

وأحسست بميل داخلي يشدني إلى ( برج الصمت ) الذي لا تتجاوز صفحاته /172/ من القطع المتوسط لأنه عمل جاد لم يحظ بالانضمام إلى الكتاب المهم جداً (القصة في سورية ) للدكتور شاكر مصطفى لأنه رأى النور بعد صدور كتاب القصة في سورية , وهنالك سبب آخر قوامه أن ( برج الصمت ) عمل روائي تاريخي يذكرني بأعمال القاص السوري العربي معروف الأرناؤوط الذي درسه شاكر مصطفى في كتابه الآنف الذكر , وإن لم تخني الذاكرة فقد نال إعجابه الكبير , ولعل الجزالة التي يستمسك بها معروف الأرناؤوط بأسلوبه الشيق والممتع معاً جعلت حصيلة الذاكرة تستعصي على النسيان .

فماذا عن (برج الصمت ) ومحمد بشير فنصة ؟! 

إنه عمل روائي تاريخي طرح فيه المؤلف رؤيته من خلال الشخصية المحورية للرواية والتي يجسدها الطبيب العربي بن هشام الذي ولد من أسرة فقيرة وعانى كل أسباب البؤس والقهر والاضطهاد , ومارس طاقاته الخاصة لبناء وجوده الثقافي والمعرفي حتى غدا طبيباً مشهوراً إلى أن ساقته الظروف بشكل مفاجئ إلى تسلم مقاليد الوزارة في ظل السلطان (لولو) الذي لم يدم سلطانه أكثر من ثلاثة أيام بينما دامت وزارة الطبيب العربي بن هشام يومين فقط اتهم بعدها بدس السم للسلطان لولو في طعامه , فنصحه المنجم (أبو السعود الشامي) بالتخلي عن منصبه الوزاري باعتبار المنجم هو صاحب ( الداوادار ) وهو أكبر المناصب في الدولة . وتخفى عند المنجم أولاً ثم سارع إلى الهرب حينما ألح صاحب الأخبار في طلبه بعد إلصاق التهمة به زوراً وبهتاناً . فانطلق هائماً على وجهه مغادراً وادي النيل متوجهاً تلقاء شطر وادي الفرات إلى أن حط به الترحال في قرية ( الزهور) في أعلى جبل سنجار , ثم اضطر للرحيل بعد أن هدمها الغزاة التتر متوجهاً إلى (قونية) ليلتقي بورثة الصوفي الكبير جلال الدين الرومي وتلامذته , ثم عاود الرحيل بحثاً عن الحقيقة ليحط رحاله في (حلب) عله يجد ما يصبو إليه عبر لقائه بالشيخ تقي الدين أحد ورثة العالم الإمام السهروردي الذي سبق أن أطلقت عليه ( شهيد النور الإلهي) في كتابي (وحدة الوجود من الغزالي إلى ابن عربي).

ولن أستطرد طويلاً في تحليل الظروف والمناخات غير الصحية التي رصدها المؤلف بشير فنصة في روايته (برج الصمت) معتمداً على الوثائق التاريخية حتى استطاع رسم المغامرات والمؤامرات التي كانت تحرك الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في تلك المرحلة الخطيرة من تاريخنا وبشكل يمكن القول فيه إن هذا العمل لولا صيغته الروائية لكان أكثر تواصلاً مع النهج الوثائقي ومع ذلك منحه المؤلف طابعاً روائياً شيقاً يشد القارئ كما شدتني قرية الزهور إلى عالمها السحري على الرغم من البذور الوثنية والتوجهات الفكرية غير المتوازنة التي يحملها فريق من أهلها كما شدت من قبل الطبيب العربي بن هشام بطل الرواية إذ أمضى فيها مرحلة زمنية مزدحمة بالأفكار والمعتقدات وأساليب الحياة التي استساغها بشكل أو بآخر وأحب ابنة شيخ القرية وسيدها الأميرة ( فانسا ) التي تجسدت فيها كل الملامح الجمالية الساحرة إضافة إلى التوهج الفكري المذهل وكأنها ليست من هذا العالم الأرضي إطلاقاً .. إنها فتاة من عالم آخر يحلم به ويجسده الأدباء شعراً ونثراً وخيالاً أسطورياً في كل أنحاء المعمورة .

والعربي بن هشام هذا مرتبط بأمته العربية بقدر ما هو منسلخ عن الواقع البائس الذي يعايشه ,ولهذا كم كان يحلم بتغيير هذا الواقع المرير كما حلم أو اعتقد من قبله وأضمر ( في نفسه أنه سيبدل وجه العالم كما كان سلفه شمس الدين التبريزي ) برج الصمت ص 150 وشمس الدين التبريزي هو كما تعلمون التلميذ النجيب والحبيب لجلال الدين الرومي وقد ترك أستاذه بلا استئذان كما فعل صاحبنا الطبيب العربي ابن هشام وقد أوشك على الشروع في تطبيق مهمته واقعياً حينما تسلم الوزارة , فوجد نفسه في موقع المسؤولية صبيحة تسلمه المنصب الوزاري فلم يجد ما يقوله خيراً مما قاله : ( عمر بن عبد العزيز لقومه : إنني لست بخيركم ولكني رجل منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملاً ) برج الصمت ص 54 لكنه بتصميمه حقن ما حوله بالمتغيرات الإيجابية رغم أنه كان يتوجس شراً ويتوقع كارثة ما لأن العلاج الذي وصفه للسلطان ( لولو ) لشفائه من التدهور الصحي الجنسي الذي أصابه كنتيجة حتمية لإغراقه في أحضان قطر الندى لن يستمر مفعوله طويلاً وآنذاك ستقع المأساة .

لكنما اتخذت الأحداث منحى آخر فمات السلطان مسموماً واتهم طبيبه ابن هشام ولم يحظ بالبراءة على الرغم من تقارير الأطباء بأن الدواء الذي قدمه للسلطان ليس ساماً ومع ذلك اتهم بقتله ليجلس مكانه لكنها المؤامرة والدسائس التي كانت الصفة المميزة لذلك العصر الذي ساد فيه الجهلة والمشعوذون والأغراب وعانى أبناء البلاد من ذلك الويلات .

وفي حلب وجد العربي بن هشام نفسه وجهاً لوجه أمام صاحب الأخبار الذي جاء إلى سورية من وادي النيل ليساهم في عقد الصلح مع الإمبراطورية العثمانية ولم يخف صاحب الأخبار نيته في اصطحاب ابن هشام إلى وادي النيل ليتم قتله على يد قاضي القضاة أبو الحسين لأنه عدو لكل داعية إلى الحق وصاحبنا الطبيب العربي بن هشام من دعاة الحق في كل مكان وزمان لكنما استطاع صاحب الأخبار في وادي النيل إقناعه بأنه يحمل رسالة شفهية من السلطان العثماني تحقق له الأمن والسلامة .

فأودع العربي بن هشام في برج القلعة ، وانتهز هذه الفرصة لتسطير ( رسالة البتراء ) التي تعتبر المحور الرئيسي لهذه الرواية التاريخية ، فقام بإنجازها وعمد إلى إرسالها إلى صاحبه في الموصل .

ولعلها خير تبيان لواقع الإنسان العربي في تلك المرحلة السوداء التي يمكن توصيفها ببضع كلمات قوامها إن العرب يوم ذاك كانوا أذلاء مهانين كما هو شأنهم في هذا العصر .. ظلمات من فوقها ظلمات .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد