برج الصمت والطريق إلى النور2/2

العدد: 
14799
خميس, 2016/12/15

نستطيع استشفاف الخطوط الرئيسية لـ (برج الصمت) من هذه العبارات التي وردت في آخر الرسالة التي يناجي فيها العربي بن هشام فتاته الأميرة فانسا : ( من أجلك يا أميرتي الجميلة من أجل عينيك الساحرتين من أجل الضياء المنبعث منهما فتنة للناس من أجلك يا حبيبتي يا من علمتني كيف أحب وكيف أحيا وكيف أموت من أجلك سأقول لهم بلا وجل إنني أعشق الحرية) ص 171 برج الصمت. قال ذلك من وراء القضبان في برج القلعة وهو لا يعرف ما سيلاقيه مع صاحب الأخبار بعد مغادرتهما سورية، فهل تتم نجاته بقدرة قادر أم سيصلب كما صلب من قبل السهروردي والحلاج وغيرهما أم سيضطر إلى الانتحار الطوعي القهري كما انتحرت فتاة الجمال والحكمة والحرية بالقفز من أعلى برج الصمت في قرية الزهور حينما داهما فريق آخر من غزاة التتر وأطلقت كلمات الوداع الأخيرة للعربي بن هشام (أحبك) وسكتت إلى الأبد أو بمعنى أدق إلى يوم البعث الذي سيأخذ فيه كل الناس حقوقهم بعدالة مطلقة وتنتهي برج الصمت بلا نهايات واضحة وبلا قوالب مبرمجة ولا نعرف شيئاً عن مصير البطل المحوري لها العربي بن هشام! هل أسندت إليه وزارة أخرى في جغرافية عربية أخرى أم فرضت عليه إقامة جبرية حتى الموت؟! لكننا نستطيع القول بأن هذه المغامرة الروائية جديرة بالقراءة والتوقف والتأمل في كل فضاءاتها التاريخية التي رسمها المؤلف كما لو كانت شاهداً عليها والأروع من هذا وذاك البحث اللاهث عن الحرية التي كانت تسري في دماء الناس في تلك المرحلة المسروقة من إنسانية الإنسان والتي جسدها المؤلف في الأميرة فانسا التي اختارت الانتحار على الوقوع لقمة سائغة في أحضان القساة العتاة الجياع الذين زحفوا من الشرق كقطيع الذئاب كما جسدها العربي بن هشام الذي كان مصيره الإقامة الجبرية في القلعة كمثله الأعلى من قبل السهروردي شهيد النور الإلهي !!!

ولكن القراءة المتأنية لشاهد العصر لهذا العمل تطرح ألف سؤال وسؤال وعلى رأس الهرم منها : هل كان الطريق إلى الحرية الذي سلكه العربي بن هشام صحيحاً؟!

لا شك أن الإجابة عن هذا التساؤل من الصعوبة بمكان لأن الإجابة تقتضي درساً تحليلياً للعمل الروائي ولمسارات الأحداث في تلك المرحلة الزمنية منذ ثمانية قرون وحتى يومنا هذا ومثل هذه الدراسة تتطلب مساحة كلامية كبيرة جداً كما أن المؤلف بشير فنصة أعطى العربي بن هشام نسقاً وحيداً لنسج طريقه من خلال تلك الحياة الندية الحالمة التي عاشها في قرية الزهور واعتمد الرمز والإيحاء والإشارة والغموض في رسالته البتراء من خلال أطروحات فكرية تتسم بالضبابية والحيرة بشكل يدعو إلى التساؤل فلماذا اختار هذه الرحلة بالذات للبحث عن طريق الحرية ؟

أليس هنالك مراحل تاريخية نقية في تاريخنا المجيد قادرة على رسم الطريق الصحيح إلى الحرية قبل الإسلام وبعده سواء في سورية والهلال الخصيب أو في اليمن السعيد وفي الحجاز وباقي الجغرافيات العربية والإسلامية بعد البعثة النبوية التي ولدت وأضاءت كل دروب النور والتحرر الاجتماعي للعرب وللإنسانية جمعاء؟! فإذا كان المؤلف قد سلك ذلك بهدف تسليط الأضواء على الفساد السلطوي والاجتماعي ومن يدعون أنفسهم رجال الدين في تلك المرحلة بالذات لإيقاظنا وتنبيهنا على تلكم الفترة التاريخية المسروقة من تاريخنا الطويل وطرحه لحكاية العربي من هشام كمثال بطولي في البحث عن الحرية وضرورة بل وحتمية ممارسة النضال وولادة الأبطال حالياً ومستقبلاً لتدارك الحرية والإمساك بها ، فما عليه من بأس ..

وقد يتساءل القراء كما أتساءل ، لماذا اختار قرية الزهور القابعة في أقصى الشمال الشرقي من سورية السياسية كمرتكز أساسي يتمحور عليها الطريق إلى الحرية ؟ فقد اعتقد أبناء هذه القرية الأسطورية بمفاهيم وأفكار اختلطت فيها الرموز بالحقائق ، والوقائع بالأوهام ، وأحياناً الوضوح بالضبابية ... وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن سورية مثلها في تعدد الأديان والطوائف والمعتقدات كمثل السماء بتعدد النجوم والكواكب والأقمار ، وهذا ما أراه في قرية الزهور كمثل على حرية الاعتقاد والتعايش المشترك لمئات وآلاف السنين في سورية التوهج الحضاري منذ أحد عشر ألف عام قبل الميلاد وحتى الآن .

لكنما هنالك عبارات لم أتمكن من إدراك رغبة المؤلف في التركيز عليها ، وكمثال على ذلك :

1ـ ( الشعب السعيد من لا سيرة له ولا تاريخ ) كما جاء على لسان العربي بن هشام راجع برج الصمت ص 96. 

2ـ إن ( قواميسكم لا تشرح معنى الحرية شرحاً كافياً ) كما جاء على لسان الأميرة فانسا . المصدر السابق ص99.

3ـ ( نحن قوم نؤمن بمزيج من مذاهب زرادشت الداعي إلى الحب ، وبوذا الداعي إلى العقل ) كما ورد على لسان الأميرة فانسا . المصدر السابق ص203 .

وأتساءل وإياكم على سبيل المثال لا الحصر ، متى كان بوذا داعياً إلى العقل ؟

4ـ ( نحن لا نحرم شيئاً , فالتحريم خطأ لأنه يثير في النفوس رغبة تحطيمه , وكل ممنوع مرغوب ) كما ورد على لسان شيخ القرية وسيدها في آن واحد : المصدر السابق ص112 . وهذا كلام ظاهره حق لأنه ليس لبشر أن يحرم من عنده شيئاً ، فالتحريم خاص بذي الجلال والإكرام وحده .

إلى آخر ما هنالك من أمثلة تجعلنا مضطرين إلى القول بأن قرية الزهور الحالمة التي وظفها الأستاذ بشير فنصة رحمة كسفينة غير متحركة لحمل أحداث الرواية قد تبدو لكثير من القراء بعيدة عن أرضية الواقع كما أنها غير جادة في البحث عن الحرية إلا إذا كانت الحرية مفهوماً شخصياً ذاتياً كحرية الغرب السياسي التي يوظفها لنفسه وليستعبد من خلالها الآخرين ، وهذا هو شأنه عبر تاريخه الطويل ، وما نحن فيه اليوم من أوجاع يقع الذنب الأكبر منه على عاتق الغرب السياسي لأنه ضخ الفتنة بعد أن هندستها الصهيونية العالمية ، لكنما والحق يقال يقع على عاتقنا الذنب الكلي نحن العرب والمسلمين ، لأننا سقطنا في الفتنة ورحنا نقتل بعضنا بعضاً وكأننا ولدنا وشببنا في أوكار الذئاب .

لكنما هناك لقطة مذهلة تجسد بعض الأعراف الفاضلة كما جاء على لسان أحد أبناء القرية حول الجرة الأسطورية التي تبقى ممتلئة بالمال رغم ما يأخذه منها المحتاجون ، لأنه محتوم على الموسرين أن يبقوها ممتلئة أبداً : المصدر نفسه ص 108.

ومع ذلك أتساءل كما قد يتساءل المتسائلون : إلى أين يقود التحليل العلمي والحيادي فيما لو أتيح لنا قبس من الوعي الشمولي والحس الحضاري ، سوى القول بأن الطريق إلى الحرية الذي جالت فضاءاته (برج الصمت) لم يكن طريقاً ممهداً إن لم يكن غائماً؟! .. إنه طريق مكثف بالرموز والضبابيات .. ومع ذلك لا يسعني إلا أن أترحم على المؤلف بشير فنصة على مساهمته التي تدل على تطلعه إلى البحث عن دروب النور والتحرر والانعتاق من كوابيس التحجر والتخلف والجهل والفساد الذي طال الجغرافيات العربية والإسلامية منذ قرون وحتى يومنا هذا ونحن في مستهل النصف الثاني من العقد الثاني للقرن الواحد والعشرين الذي غدونا فيه على شرفات الجاهلية الجهلاء ، ويكفينا همجية أننا نقتل بعضنا بعضاً كالوحوش الضارية أو أشد ضراوة .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد