أكلة لحوم البشرية

العدد: 
14804
ثلاثاء, 2016/12/20

إذا كانت بعض القبائل البدائية في افريقيا تأكل لحم الإنسان عن جهل أو حاجة أو عادة، وهذه القبائل انقرضت أو تكاد، فإن بعض الأنظمة السياسية الغربية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية التي تلبس قفطان الحضارة لا تجد أنه من اللائق اليوم أكل لحم الإنسان ولهذا عمدت بما تثيره من فتن وقلاقل وحروب إلى أكل لحوم البشرية جمعاء!

إن أعداد القتلى في أفغانستان والعراق وسورية واليمن، وراوندا وهيروشيما وناغازاكي الخ يفوق حد التصور وما زالت تلك الأنظمة الاستعمارية الغربية نهمة لا تشبع ولا تتخم من اللحم البشري بدعاوى زائفة في الحرية والديمقراطية تتخذها قناعاً لتخفي وجهها الحيواني.

إن القضاء على شعب مسالم بأكمله كالهنود الحمر في أمريكا لا يعد جريمة في عرف هذه الأنظمة.

إن غرس بذور الفرقة الإثنية والتطرف الديني والطائفي، وتشويه رسالة سماوية سمحة بتكوين مجموعات متطرفة مدججة بالعقائد التحريفية والسلاح،  وبثها في مجتمعات آمنة مسالمة لزرع الفتن ومباشرة الحروب العبثية، وتغيير الأنظمة، إن فعل ذلك تحت مسميات عدة كاذبة وشعارات شيطانية براقة باسم الحضارة والثقافة وحقوق الإنسان والديمقراطية لم يعد اليوم خافياً على أحد، وتقف وراءه مصانع الأسلحة، وممولو الحروب وترسانات اقتصادية عالمية نهمة تبتلع العالم.

 لكن جوهر الصراع هو إعلان الحرب على الإسلام ، وعلى كل فكر حر نبيل لا يخضع لإرادة الشيطان الأكبر ، وذلك بعد الانتهاء من تفكيك الاتحاد السوفييتي، وقد أعلنوا ذلك صراحة في كتبهم وخطبهم من غير خفاء ولا حياء.

إن هذا الفكر الأسود، الغاسق الوقب، لدى الدول التي قادت من قبل الاستعمار القديم بكل مجازره وبشاعاته وتباشر اليوم الاستعمار الجديد، المؤلل بأجهزة الإعلام الهائلة، النفاثات في العقد،  هو مدلول الآيات الكريمة في القرآن المجيد التي تحذرنا من هذا الفكر الغاسق المنتشر.

يقول تعالى: " قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد".

تلك هي صورة قوى الشر العالمية اليوم، صورة مظلمة تقابلها في التاريخ صورة العرب المسلمين حين سادوا العالم وأنشؤوا أعظم إمبراطورية فيه وهي صورة منيرة مشرقة.

يقول غوستاف لوبون : " ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب". وهذه شهادة مؤرخ عالمي شهير. وعندما دخل المسلمون الأندلس ازدهرت الحضارة والثقافة حتى إن كثيراً من الشخصيات الأوروبية وحتى بابوات الفاتيكان تخرجوا من الجامعات الأندلسية.

وقبل أن تقر قوانين جنيف في معاملة الأسرى جاءت الآية الكرينة في القرن السابع الميلادي  يقول تعالى: "ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا". ولم يكن أسرى المسلمين آنذاك سوى من المشركين، وعندما نزلت الآية لم يبق بيت في المدينة المنورة فيه أسير مشرك إلا وكان يجلس على مائدة الطعام مع آسره صاحب البيت. ونقابل ذلك بما فعله الأمريكيون الغزاة بأسرى سجن أبي غريب في العراق أو غوانتانامو، أو ما يفعله المتشددون المحرفون للدين الحنيف من قطع رؤوس الأسرى وتعليقها على المآذن وأعمدة تدمر وفي الحارات.

وحين حرر المسلمون في عهد أبي بكر وعمر والخلفاء من بعده سورية والعراق وفتحوا بلاد ما وراء النهر لم يقوموا بتحطيم التماثيل التراثية الموجودة في تدمر ولا معابد الأولين كمعبد بل ولا بتحطيم تماثيل بوذا العملاقة في أفغانستان. فمن أين جاء غزاة اليوم ومحرفو هذا الدين الحنيف بمفاهيم تدمير هذه الآثار الإنسانية، وقطع رأس تمثال أبي العلاء في المعرة ؟! .

أخيراً

أمام هذا الوباء الفكري التحريفي والذي يدل على الإخفاق في تربية أجيال بأكملها نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مناهجنا التربوية والتعليمية، الدينية والعامة، وإعادة النظر في خطب المساجد وجلسات التعليم فيها لنضع في قلوب الشعب جوهرَ الإسلام وجوهر الفعل الإنساني المتحضر ليس عن طريق الشعارات البراقة وإنما عن طريق نور الحق الذي يتغلغل في أعماق الإنسان ليكون إنساناً محمياً ومؤهلاً لرفض كل أنواع الفكر الظلامي والتحريفي، ويكون أكثر وعياً لمؤامرات الغرب الاستعماري.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي