إسبانيا الإسلامية شيء .. وسورية شيء آخر

العدد: 
14812
أربعاء, 2016/12/28

أيحسب مهندسو الفتنة لسورية والجغرافيات العربية أنهم سيحققون ما تم تحقيقه في إسبانيا الإسلامية وجزر البليار حتى تاريخ التذييل الذي كتبه أبو عبد الله الصغير على المعاهدة التي تقضي ببيع أملاكه لمن تنازل لهم عن غرناطة بتاريخ 23 رمضان 898 هـ والموافق 7 نيسان 1493م ؟!!!

ما كنت أحسبهم بسطاء إلى هذا الحد !!!

فسورية المجد والحضارة منذ بدء البدء تختلف كلاً وتفصيلاً عن إسبانيا وجزر البليار لأسباب كثيرة وهامة جداً وعلى رأس الهرم منها أن سورية والحجاز مباركتان من ذي العزة والجلال. وإذا كانت سورية مهداً لمعظم الرسالات السماوية فإن الحجاز كانت ميقاتاً لآخر الرسالات السماوية .. بينما إسبانيا وجزرها جغرافيات لم تتنفس رياح التحضر إلا من خلال الفتح السوري الفينيقي لها , حيث يذكر ( المؤرخ الاسباني شاس بأن الأساطيل الفينيقية وصلت إلى غربي البحر المتوسط حوالي 1400 ق.م وأسسوا بعد عبورهم من جزر البليار إلى ساحل إسبانيا الشرقي مدينة دانية أي (مرآة الزمان) راجع ص37-38  من كتاب جزر الأندلس المنسية للدكتور عصام سالم سيسالم . واستمر التوهج الحضاري في إسبانيا وجزر البليار حتى عام 146 قبل الميلاد في نهاية الحرب الفينيقية اليونانية الثالثة .

فماذا عن التوهج الحضاري العربي الإسلامي ؟

سطع النور الحضاري على إسبانيا وجزر البليار مع طارق بن زياد في رمضان عام 92 للهجرة الموافق لحزيران عام 711 للميلاد بوتائر مذهلة من التمدن والتطور والآداب والفلسفات والعلوم والفنون حتى عام 897 للهجرة الموافق لعام 1492 للميلاد بعد دخول فرديناند وايزابيلا إلى غرناطة آخر الإمارات العربية الإسلامية , حيث قال الشاعر الرندي مع أنه لم يشهد سقوط غرناطة :

فجائع الدهر أنواع منوعة       وللزمان مسرات وأحزان

وللحوادث سلوان يهونها        وما لما حل بالإسلام سلوان

إلى أن يقول : 

أعندكم نبأ عن أهل أندلس      فقد سرى بحديث القوم ركبان

كم يستغيث بنا المستغيثون وهم         أسرى وقتلى فما يهتز إنسان

ماذا التقاطع في الإسلام بينكم      وأنتم يا عباد الله إخوان

وهذا البيت الأخير الذي أوردته من قصيدة الرندي نعيشه الآن في معظم الجغرافيات العربية ..

شعوب مستضعفة بلا نصير وحكومات بلا ضمير وقد اختلفت الأهداف لكنها تمازجت في الميل تلقاء الظلمات مما ولد قيادات وزعامات تحاول أقصى جهدها تلمس حضورها الشخصي في فضاءات لا علاقة لها بالتوهج المضيء , فقد تم اغتيال لوائح القيم تحت سنابك المصالح الشخصية .. ممالك وإمارات وكينونات وسفسطات وتفاهات هنا وهمجيات هنالك إلى آخر المشوار الذي طال ثم استطال .. ولكل جبل نهاية .

وبعد سقوط الأندلس الصغرى , أي غرناطة بدأت الفجائع بالأندلسيين بدءاً من التنصير القسري إلى الإبعاد الهمجي عن الوطن وانتهاء بمحاكم التفتيش التي حملت على عاتقها لوائح قيم الشر والفساد والإفساد في الأرض . ورغم هذا فقد أثبت الأندلسيون منطقهم الأخلاقي بدءاً من الأيام الأولى للفتح وحتى خروجهم أذلاء مدحورين تحت سلطان التضخم الذاتي وسرطنة الأنا للغرب السياسي والذي جسدته محاكم التفتيش التي مارست شريعة الذئاب على كل الأندلسيين على اختلاف أطيافهم وتوجهاتهم وعقائدهم ...

وعلى الرغم من الخلاف حول الحضارة الأندلسية وعربيتها وإسلامها المتسامح بوعي متكامل مع استيعاب لأفضل ما في الروح الإسبانية من أعراف متعالية تبقى الأندلس منطلقاً هاماً للقاء الشرق والغرب وهذا ما ترك بصمات واضحة في النهضة الحضارية الغربية بعلومها وفلسفاتها وآدابها .. ولكنها خرجت من لبوسها الحضاري تحت ضغط كل أصناف الإرهاب السياسي الغربي مما يجعل المرء يتوقف لدى سقوط غرناطة وما تلاه من تواتر للأحداث جراء الإرهاب الغربي وما تتلقاه الجغرافيات العربية وخاصة سورية من صدمات متواترة جراء الإرهاب الهمجي المعاصر الذي هندسته الصهيونية العالمية وجند له الغرب السياسي طاقاته ... فأشعل فتيل الفتنة الخرساء العمياء الهوجاء التي راح يكتوي بنارها الوطن كله جراء توظيف الشر في الوطن كله ... وكل فتنة يتوجه نحوها التافهون والمرتزقة والجهلة والنصابون والمحتالون كما أنها تحدد توجهاتها تلقاء هؤلاء وأمثالهم وتضع شباكها أمام كل ذوي القصور العقلي والغباء التاريخي للإمساك بهم وجعلهم جنوداً للفتنة التي تحرق وتمزق كل ما تطاله مخالبها لأنها تتطلع إلى حرق الوطن من أقصاه إلى أقصاه ...

وهذا لن يكون بعزة الله وجلاله العظيم فسورية شيء وإسبانيا شيء آخر .. إسبانيا مثلها مثل أية جغرافيا أخرى , بينما سورية ليست كأية جغرافيا أخرى لأنها الميلاد الأول للحضارات والفلسفات والديانات السماوية. وإنني لأرى في الأفق القريب أن الإرهاب وحملته سيرفعون تحية الوداع الذليل كما رفع يده هرقل من قبل قائلاً : وداعاً يا سورية لا لقاء بعده .

وكان ما كان كما تعلمون وغدت دمشق بعد وداع هرقل سيدة العالم كله من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب .. فسورية تحمل في رحمها إمكانية التجدد الولادي وستعود لتؤدي ضخها التمدني وتوهجها الحضاري على طول امتداد الأحقاب ... أقول قولي هذا والله من وراء القصد ...

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد