سورية السلام .. وطن إسلام الرحمة ومسيحية المحبة

العدد: 
14825
ثلاثاء, 2017/01/10

إني أُحبك يا ابن مريمَ دائماً...وأُحبُّ أحمدَ دائماً ودواماً

وأُحبكم أبناء وطني كلَّكم...وبكم أُزيّنُ في الدُّنا الأيامَ

إذا أردنا أن نتحدث عن أطياف المجتمع في بلادنا العظيمة سورية؛ مهد الحضارات وموطن الرسالات، فإننا سنجدها متعددة؛ حيث تتراصف تلك المكوّنات كباقةٍ من الزهور عبر نسيجٍ مجتمعيٍ رائع ، ومنذ القِدم يعيشُ أهله السلام ويغرسون الرحمة والمحبة فيما بينهم.

لقد وضع الإسلام قواعد التعايش مع الآخر كائناً ما كان مُعتقد ذلك الآخر من خلال القرآن الكريم فمثلاً نقرأ قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة:8] حيث توجهنا هذه الآية لحُسن التعامل مع الإنسان عبر البرِّ والإحسان والعدل.

وتُعتَبر قضية العيش المُشترك بين المسلمين والمسيحيين على مرور العصور من القضايا المُسلّم بها عند المسلمين على المستوى العقائدي والتشريعي والأخلاقي وبيان ذلك أن هذا التعايش قد وضع أسسه القرآن الكريم، وقام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتطبيقه سلوكاً عملياً على أرض الواقع، ثم نهج الصحابة الكرام رضي الله عنهم من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم النهج نفسه.

قال تعالى كاشفاً مشاعر أتباع الديانات للناس أجمعين: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة:82] .

ولذلك فلقد كانت مسيرة التعايش الإسلامي المسيحي تَعبرُ القرون بكلِّ رقيٍّ وتألّق لا يُعكّرُ صفوها إلا بعض التصرفات الشاذة هنا أوهناك والتي سرعان ما تتكتل من حولها العصبيات والفكر الطائفي المنحرف الذي يُزكي ناره الأطماع الاستعمارية التوسعية التي اتخذت من مقولة "فرّق تَسُد" منهجاً لتعاملاتها.

إن المنهج الرباني الذي وضع أُسس العيش المُشترك بين المسلمين والمسيحيين بيّن أن جميع الناس متساوين ببشريتهم فقال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] .

كما راعا ربنا تبارك وتعالى كرامة الإنسان فرفع قيمته ، قال الله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم}[الإسراء: 70] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب) رواه أحمد. فقد كانت هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة وثيقة عظيمة لحقوق الإنسان.

وكثيراً ما سمع الأصحاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: (اللهم إني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن العباد كلهم إخوة) رواه أبو داود.

وأرسى ربنا سبحانه قواعداً لحصانة ذلك الإنسان فقال جل من قائل: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8]  وأما أولئك الذين يعتدون على الإنسان فهم قد تنكبوا الحق وساروا في طريق الضلال، قال تعالى: {من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}[ المائدة: 32] .

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي. وبالمقابل قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) رواه مسلم.

وفي تاريخنا العريق ورد أنه كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد رضي الله عنهما قاعدَين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاما فقيل لهما: إنها من أهل الذمة – اليهود -  فقالا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أليست نفساً) رواه البخاري. وهذا يدلُّ على احترام الإسلام للإنسانية بكلِّ مكوّناتها.

وأما المسيحيين على وجه الخصوص فقد كانت أواصر المودّة معهم موجودة منذ فجر الإسلام فحين قسى المشركون على المسلمين في مكة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة منهم إلى الحبشة قائلاً: إن فيها ملكاً لا يُضام لديه أحد، وكان ذلك الملك أصحمة النّجاشي الذي يدين بدين المسيحية؛ وقد استقبل وفد المسلمين وأحسن إليهم وكان لهم نعم العون.

وإذا تأملنا في تاريخ العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في بلادنا سنجدها مدعاةً للفخر، فكما حدث أن استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيحيي نجران في مسجده في المدينة المنوّرة وأقاموا فيه أياماً وصلوا صلاتهم فيه كذلك نجد هذا الموقف يتكرر في سوريّتنا من قِبَلِ المسيحيين فقد ذكر صاحب كتاب روائع حضارتنا أنه في زمنٍ دخول المسلمين فاتحين لدمشق رضي المسيحيون أن يقيم المسلمون صلواتهم في كنيسة يوحنّا الكُبرى – والتي أصبحت الجامع الأموي الكبير فيما بعد - فكان الناسُ يرون في وقتٍ واحدٍ المسلمون والمسيحيون يصلّون كلٌّ يتّجه إلى قبلته.

لقد كانت سورية منذ القديم وستبقى أنموذج التعايش الإنساني لا سيما بين الإسلام والمسيحية ونحن في حلب الشهباء في سنوات الأزمة المريرة على وطننا شهدنا الكثير من المواقف التي ترسي هذه العلاقة الطيبة فقد كان أبناء هذا الوطن يقاتلون الإرهاب جنباً إلى جنب؛ وقد ارتقى واحدٌ من بواسل الجيش ممن يعتنق المسيحية وهو يدافع عن الجامع الأموي بحلب مع إخوته المسلمين؛ كما لا تزال جثامين أربعة من جنود جيشنا من المسلمين تحت ركام الكنيسة المشيخية الإنجيلية بحلب؛ كانوا يدافعون عنها ضد هجمات الإرهاب التكفيري.

نحن في سوريتنا مسلمون ومسيحيون امتزجت دماؤنا ودموعنا وآهاتنا معاً فكانت لحمةً وطنية مميّزة؛ نعم نحن متعايشون منذ القديم وسنبقى بإذن الله تعالى .

اللهم أعد على وطننا أمنه وأمانه واصرف عن أبنائه مكر الماكرين وحقد الحاقدين ، يا اكرم الأكرمين وأرحم الراحمين .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة