أسرار الموسيقى

العدد: 
14838
اثنين, 2017/01/23

الآن وقد خمدت أصوات الانفجارات في حلب وأخذت تعود إليها أفراحها والأعراس شيئاً فشيئاً فإننا نستطيع أن نعود إلى الحديث في هذا الفن العريق، في مدينة الموسيقا والغناء منذ أكثر من خمسة آلاف عام.

يقول أفلاطون: "من حزِنَ فليستمع إلى الأصواتِ الطيبة فإن النفس إذا حزنت خَمَد منها نورها، فإذا سمعت ما يطربها اشتعل منها ما خمد".

ويقول أيضاً: "إن علم الموسيقى لم تضعه الحكماءُ للتسلية واللهو بل للمنافع الذاتية ولذة الروح الروحانية، وبسط النفس وترويق الدم".

النفس الإنسانية كما الشمس تشرق بالفرح وتغيب بالهم والحزن، فإذا حزنت وخبت أو غابت أنوارها جاءت الموسيقى لتعيد إليها طاقتها وحيويتها فتشرق ثانية؛ ولهذا لم يكن حب الإنسان للموسيقى والغناء ضرباً من اللهو فحسب، ولكنهما جزء من وعيه الجمالي إذ لابد للنفوس التي أرهقها العمل من إعطائها فسحة من لذاذات الروح، ولكن هذا الأمر لاتختص به مدينة أو مجتمع دون غيرهما، فلجميع الشعوب والمجتمعات حظها من الاهتمام بهذا الفن الذي نشأ مع نشأة تماس الإنسان مع الطبيعة والكون.

مع أولى نبضات القلب نشأ الإيقاع لدى الإنسان، ويظل خلال نمو أحاسيسه ومدركاته محاطا بجملة لا متناهية من الإيقاعات الطبيعية المتغيرة والمتلونة أبداً ، وبعدد لا متناه من الأصوات الغنائية : صوت الريح بدرجاتها، غناء الطيور بأنواعها، حفيف أوراق الأشجار، خرير المياه المتباين في الجداول والأنهار، وقع قطرات المطر على الأرض وعلى الأسطحة المختلفة 00 وغيرها من إيقاعات الطبيعة وتصويتها، فالموسيقى تثير في النفس لذة حقيقية وتبعث في الروح سروراً وارتياحا، إنها بمثابة واحة ظليلة وارفة ترتاح إليها النفوس ، وتجدد فيها الطاقة الحيوية لمتابعة السعي في حياة مرهقة بالعمل .

والصوت الحسن يزيد معاني النص المكتوب حسناً، وقد جاء في حديث نبوي : "حسِّنوا القرآن بأصواتِكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً".

وعن أنس بن مالك قال النبي (ص) : لكل شيء حلية ، وحليةُ القرآن الصوتُ الحسن".

إنك حين تقرأ موّالاّ أو قصيدة أو تسمعهما إلقاءً تتابع ما فيهما من ألفاظ ومعان وصور، فإذا سمعتهما غناء، وكان الغناء جيداً لحنا وصوتاً وأداءً تشعر بأن ثمة أنواراً تشرق من تلك الحروف، وتحيط بالكلمات هالة من الإيحاءات والأنوار والظلال، وأن النص حمل شيئاً إضافياً في المعنى والصورة والكلمة، وأنه حلّق بك في عوالم شعورية لامتناهية.

إذن في السماع تشرق على النفس أنوارٌ تزيد من حِلية النص، ويمكن أن نجمل أسباب ومكونات هذه الأنوار النفسية فيما يلي:

1-الألفاظ والتعابير ومضموناتها من المعاني.

2- الصور المتواردة في النص الغنائي أو الموسيقي.

3- الأداء الغنائي والموسيقي من جودة اللحن والعزف والغناء وحسن الصوت.

4- الحالة النفسية للمتلقي، فالمؤثر الموسيقي الواحد يمكن أن يثير في النفوس مشاعر متباينة بتعدد السامعين حسب ما يحملونه من ذكريات ومشاعر وهموم حياتية.

5- العلاقة بين النغمات وبين الأوقات التي تؤدى فيها حسب ساعات النهار والفصول والطوالع الفلكية، وفي ذلك مؤلف خاص بعنوان " صفا الأوقات في علم النغمات ". وقصة فناني حلب مع محمد عبد الوهاب معروفة حين طلب، من قبيل التحدي، وهم في فندق بارون أن يسمع من الحلبيين موشحاً من نغمة السيكاه الأصلية غير مشوب بنغمة الهزام، فقال أمير الموشحات عمر البطش: "لدينا ذلك ، ولكن نحن في حلب، ولكل مقام في الغناء لدى أهل العلم طالع فلكي، ونغمة السيكاه تغنى في بدايات الليل، ونحن في آخره، فإلى الغد".

والحقيقة أن البطش بالرغم من صدق المقولة إلا أنه أراد أيضاً مهلة ليلحن خلال الليل موشحات من هذه النغمة. ومهما يكن فإن المستمعين المتذوقين يحلو لهم صوت فيروز وأغانيها وألحانها في الصباح، أما في المساء والليل فلصباح فخري ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم شأن آخر من التذوق والسلطنة. 

ولكل آلة موسيقية وترية أو إيقاعية أو نفخية تأثيرها الخاص في النفس واستعمالها في مواطن الشجن أوالفرح أوالتطريب أو التحميس. ومعالجة مرضى العصاب بالموسيقى والصوت الجميل أمر معهود وبخاصة في البيمارستانات التي أنشأها العرب كالبيمارستان الأرغوني بحلب في العهد المملوكي حيث كان المرضى يعالجون بالموسيقى وصوت خرير المياه من البرك الموجودة فيه والتنزه في الطبيعة وسماع أصواتها وصوت التلاوة الشجية للقرآن من مقرئ حسن الصوت والأداء.

شغلت الموسيقى حيزاً كبيراً من فلسفة فيثاغورس، ويروى أنه رأى جمعاً من الحدادين يضربون بالمطارق على التناسب فتأمل ذلك ثم صنع آلة تحاكي هذه النغمات وشد عليها وتراً، ثم تطورت الآلة وانتهت إلى أرسطو فوضع آلة الأرغنون، وهي آلة من ثلاث زقاق كبار من جلود الجواميس تضم إلى بعض ويركب على رأس كل زق زقٌّ آخر ينتهي بأنبوب له ثقوب حسب الاستعمال، ومن هذه الآلة انحدرت آلة القرب الموسيقية واشتهر بالعزف عليها فرق من بعض الجيوش باسم موسيقى القرب كالأردن.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي